← المكتبة ▭▭ صفحتان
فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4
محمد بن علي بن حزام البعداني شروح الحديث
A− A+
2047 · ص124 · ج1
يَدْخُلُ فِيهَا الشُّعُورُ، وَمَا أَشْبَهَهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَيِّتَ ضِدُّ الْحَيِّ، وَالْحَيَاةُ نَوْعَانِ: حَيَاةُ الْحَيَوَانِ، وَحَيَاةُ النَّبَاتِ، فَحَيَاةُ الْحَيَوَانِ خَاصَّتُهَا الْحِسُّ، وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ، وَحَيَاةُ النَّبَاتِ خَاصَّتُهَا النُّمُوُّ، وَالِاغْتِذَاءُ. وَقَوْلُهُ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} إنَّمَا هُوَ بِمَا فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ، دُونَ النَّبَاتِيَّةِ؛ فَإِنَّ الزَّرْعَ، وَالشَّجَرَ إذَا يَبُسَ لَمْ يَنْجُسْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وقد قال تعالى: {وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [النحل:٦٥]. وقال: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الحديد:١٧]؛ فَمَوتُ الْأَرْض لَا يُوجِبُ نَجَاسَتَهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا الْمَيْتَةُ الْمُحَرَّمَةُ: مَا فَارَقَهَا الْحِسُّ وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالشَّعْرُ حَيَاتُهُ مِنْ جِنْسِ حَيَاةِ النَّبَاتِ لَا مِنْ جِنْسِ حَيَاةِ الحَيَوَانِ؛ فَإِنَّهُ يَنْمُو، وَيَتَغَذَّى، وَيَطُولُ كَالزَّرْعِ، لَيْسَ فِيهِ حِسٌّ، وَلَا يَتَحَرَّكُ بِإِرَادَةٍ، فَلَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ حَتَّى يَمُوتَ بِمُفَارَقَتِهَا، فَلَا وَجْهَ لِتَنْجِيسِهِ. وَأَيْضًا: فَلَوْ كَانَ الشَّعْرُ جُزْءًا مِنْ الْحَيَوَانِ، لَمَا أُبِيحَ أَخْذُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ، وَأَلْيَاتِ الْغَنَمِ؟ فَقَالَ: «مَا أُبِينَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتٌ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ١، وَغَيْرُهُ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَلَوْ كَانَ حُكْمُ الشَّعْرِ حُكْمَ السَّنَامِ وَالْأَلْيَةِ؛ لَمَا جَازَ قَطْعُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، فَلَمَّا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ، وَالصُّوفَ إذَا جُزَّ مِنْ الْحَيَوَانِ كَانَ حَلَالًا طَاهِرًا، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ اللَّحْمِ. انتهى.
١ تقدم تخريجه برقم (١٣).