705 · ص31 · ج16
«واشتراطُ العدد أمرٌ تحكُّمي في الشَّهادة» ١.
أي: أمرٌ تعبُّديٌّ لا تدركه العقول، فكان حكماً ثابتاً بالنَّصِّ بخلاف القياس؛ فلا يتجاوز هذا الحكم من الموضع الذي ورد فيه النَّصُّ باشتراطه إلى غيره.
وقد ذكرنا في المبسوط ٢ بأنَّ اشتراط العدد في الشَّهادات أمرٌ ثبت بالنَّصِّ بخلاف القياس، لأنَّ رجحان الصِّدق في حق العمل بالعدالة لا بالعدد، كما في رواية حديث النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي حَقِّ العلم بالتَّواتر، وإذا كان كذلك لا معنى لاشتراط العدد في الشَّهادات؛ لكن تركنا ذلك القياس بالنُّصوص التي فيها بيان العدد.
«فلا يتعدَّاها» ٣.
أي: فلا يتعدَّى اشتراط العدد في الشَّهادة إلى التَّزكية.
«يشترط الأربعة في تزكية شهود الزِّنا عند محمد - رحمه الله -» ٤.
لأنَّ التَّزكية عنده في معنى الشَّهادة، وعلى ما ذكر، فلذلك يُشترط الأربعة في مزكِّي شهود الزِّنا، كما يشترط في الشَّهادة فيه، والله أعلم بالصواب.
فصل [في أحكام تتعلق بأداء الشهادة]
في هذا الفصل أحكام تتعلق بأداء الشَّهادة، بأنَّ الشَّاهد كيف يشهد عند القاضي.
«أحدهما: ما يثبت بنفسه» ٥.
أي: لا يحتاج فيه
[إلى] ٦ الإشهاد؛ بل يجوز للشَّاهد أن يشهد بدون الإشهاد، بخلاف الشَّهادة على الشَّهادة، «فإذا سمع ذلك»؛ أي: ما كان من الأقوال، «مثل البيع، والإقرار، وحكم الحاكم».
«أو رآه»؛ أي: ما كان من الأفعال، مثل الغضب، والقتل.
«وهو الرُّكنُ»؛ أي: علم ما هو الموجب بنفسه، وهو الركن في تجويز الأداء عند القاضي.
جعل العلم ركناً لأداء الشَّهادة مع أنَّه شرطٌ فيه بدليل «قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ٧، جعل كونهم عالمين حالاً للشهود والأحوال شروط.
وكذلك في الحديث حيث جعل صريح الشّرط لقوله: «إِذَا عَلِمتَ مِثلَ الشَّمسِ فَاشهَد» ٨؛ وإنَّما جعل هكذا لزيادة تأثيره في توقف صحَّة/ أداء الشَّهادة إلى العلم.
١ الهداية (٣/ ١١٩).
٢ المبسوط (١٦/ ١١٥).
٣ الهداية (٣/ ١١٩).
٤ الهداية (٣/ ١١٩).
٥ قال في الهداية (٣/ ١١٩): «وما يتحمله الشاهد على ضربين: أحدهما: ما يثبت حكمه بنفسه مثل البيع والإقرار والغصب والقتل وحكم الحاكم، فإذا سمع ذلك الشاهد أو رآه وسعه أن يشهد به وإن لم يشهد عليه».
٦ في «ج»: [إلا].
٧ سورة الزخرف: آية ٨٦.
٨ سبق تخريجه، ص (١١٢).