2855 · ص125 · ج2
أَحَدُهَا فِي التَّرْجِيعِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْأَذَانِ عِنْدَنَا؛ خِلَافاً لِلشَّافِعِيِّ -رحمه الله- ١، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ -رضي الله عنه- ٢ وَبِقِيَاسِ التَّكْبِيرِ، فَكَمَا أَنَّهُ ٣ يَأْتِي بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؛ فَكَذَلِكَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَنَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ -رضي الله عنه- فَهُوَ الأصل، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّرْجِيعِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَذَانِ قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَلَا تَرْجِيعَ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، فَفِيمَا سِوَاهُمَا أَوْلَى، وامَّا لَفْظَةُ ٤ التَّكْبِيرِ؛ فَدَلِيلُنَا فَإِنَّ ذِكْرَ التَّكْبِيرِ مَرَّتَيْنِ، لَمَّا كَانَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ؛ فَهُوَ كَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وامَّا حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ، قُلْنَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ بِالتَّكْرَارِ؛ حَالَةَ التَّعْلِيمِ لِيَحْسُنَ تَعَلُّمُهُ؛ وَهُوَ كَانَ عَادَتُهُ فِيمَا يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ) ٥.
وَذَكَرَ فِي "الأسرار" (أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ رُوِيَتْ فِي قِصَّتِهِ؛ وَهِيَ أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ -رضي الله عنه-؛ كَانَ يُبْغِضُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَبْلَ الْإِسْلَامِ، أَشَدَّ الْبُغْضِ؛ فَلَمَّا أَسْلَمَ، أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالْأَذَانِ، فَلَمَّا بَلَغَ كَلِمَاتِ الشَّهَادَةِ، خَفَضَ صَوْتَهُ؛ حَيَاءً مِنْ قَوْمِهِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَعَرَكَ أُذُنَهُ، وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ، وَامْدُدْ بِهَا صَوْتَكَ، إِمَّا لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَا حَيَاءَ مِنَ الْحَقِّ، أَوْ لِيَزِيدَهُ مَحَبَّةً لِلرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- بِتَكْرَارِ كَلِمَاتِ الشَّهَادَةِ) ٦.
١ الترجيع: وهو خفض المؤذن صوته بالشهادتين ثم رفعه بهما.؛ سنَّةٌ عند الشافعي ومالك -رحمهما الله- خلافاً لمذهب الأحناف، قال الماوردي -رحمه الله-: فصار مالك موافقا لنا في الترجيع، مخالفا في التكبير، وصار أبو حنيفة -رحمه الله- موافقا لنا في التكبير مخالفا في الترجيع. انظر: " الحاوي الكبير " للماوردي (٢/ ٤٣)، "اللباب في الفقه الشافعي" (ص: ١١٠)
٢ أبو محذورة: واسمه أوس بن معير بن لوذان بن ربيعة بن عويج بن سعد بن جمح. وأمه خزاعية، أسلم أبو محذورة يوم فتح مكة. كان مؤذن المسجد الحرام، علمه النبي -صلى الله عليه وسلم- الأذان. وكان من أحسن النَّاس وأنداهم صوتا، وأقام بمكة ولم يهاجر، توفي أبو محذورة بمكة سنة ٥٩ هـ. انظر" الطبقات الكبرى لإبن سعد " (٦/ ٧)، "تاريخ الإسلام للذهبي" (٢/ ٥٥٩)، "الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر" (٧/ ٣٠٣).
٣ في (ب): (أن).
٤ في (ب): (لفظ).
٥ " المبسوط" للسرخسي (١/ ١٢٨).
٦ انظر " الْعِنَايَة شرح الهداية للبابرتي " (١/ ٢٤١)