← المكتبة ▭▭ صفحتان
التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة
شمس الدين السخاوي البلدان والرحلات 902 هـ
A− A+
3802 · ص225 · ج3
قَلِيلًا إذ جاءَ الخَبَرُ بِحَجِّ السُّلْطانِ مِنَ الشَّامِ، وجاءَتْ الإقاماتُ، وَتهَدَّمَتْ الإرْجافاتُ، وَقَوِيَ حالُ أَهْلِ السُّنَةِ والجماعَةِ بعد تِلْكَ المَخَافَةِ. وأَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أبو عبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ سالمٍ المَكِّيُّ: أنَّه كان ساكِنًا في المَدْرَسَةِ الشِّهابِيَّةِ في بَيْتٍ بإزاءِ بَيْتِ صَاحِبِ التَّرْجَمَةِ، قال: فكنْتُ أَدرسُ "التَّنْبِيهَ"، فَأَرْفَعُ صَوْتِي لِكَوْنِي جَهُورِيَّه، لا أُحْسِنُ أَقْرَأُ إلا كذلِك، ولا أَحْفَظُ إلا إنْ رَفَعْتُ صَوْتِي. قال: فَتَشَوَّشَ الشَّيْخُ مِنْ رَفْعِ صَوْتي؛ فقال لي: يا محمَّدُ اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ. قالَ: فقلتُ له: يا سَيِّدِي ما أَقْدِرُ أَقْرَأُ إلا هكذا. فقالَ لي: فاخْفِضْ قَلِيلًا. فلم أَفْعَلْ؛ فأصابَنِي عارِضٌ في نَزْلَةٍ مَنَعَتْنِي أن أَتَكَلَّمْ؛ فَمَرَّ عِليَّ، فقال: يا محمَّدٍ، ما تَرْفَعُ صَوْتَكَ؟ فقلتُ بالإشارَةِ: يا سَيِّدِي أنا تائبٌ إلى الله. فَفَرَّجَ الله عَنِّي في الحينِ. وكان صاحِبُ التَّرْجَمَةِ فَقِيهَ المدينةِ ١ وَمُفْتِيَها على مَذْهَبِ مالِكٍ، وكانَ إذا سُئِلَ عن المسألةِ يقول للسائلِ: هل سَأَلْتَ الشَّيْخَ أبا عبدِ الله ابنَ فَرْحونٍ؟ يعني: والِدِي، فإنْ قال: لا، يقول له: اذْهَب واسْأَلْهُ وأَخْبِرْنِي بَما يقولُ لَكَ، وإن قال: سَأَلْتُهُ. يقول: فماذا قال لَكَ؟ فإذا أَخْبَرَهُ نَظَرَ؛ فإنْ كان مما اتّفَقَا عليه أَمرَ السَّائِلَ به، وإن كان مخالفة ما قالَ لَهُ: اذْهبْ حتى أَجْتَمعَ بِهِ، فَيَجْتَمِعانِ وَيُحرِّرانِ المَسْأَلةَ، ثمَّ يَأْمُرَانِ جَمِيعًا السَّائِلَ بما يَتَّفِقانِ عليه، ولَمْ يزَالَا كذلِكَ حتى تُوُفِّيَ الشَّيْخُ قَبلَ وَالِدِي بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وجاءَتْ إلى السِّرَاجِ وَظِيفَةُ
١ في الأصل: بالمدينة، ولا تستقيم العبارة، والمثبت من ابن فرحون.