← المكتبة ▭▭ صفحتان
تقريب فتاوى ابن تيمية
أحمد بن ناصر الطيار الفتاوى 728 هـ
A− A+
1439 · ص458 · ج3
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ مِن جِهَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ تَصْدِيقُهُم فِيمَا أَخْبَرُوا، وَطَاعَتُهُم فِيمَا أَمَرُوا، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِم فِيمَا فَعَلُوا، وَحُبُّ مَا كَانُوا يُحِبُّونَهُ، وَبُغْضُ مَا كَانُوا يُبْغِضُونَهُ، وَمُوَالَاةُ مَن يُوَالُونَهُ، وَمُعَادَاةُ مَن يُعَادُونَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ أَخْبَارِهِمْ. وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ مَمْلُوءَانِ مِن ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ فِي الْقُلُوبِ مَذْكُورٌ بِالْأَلْسِنَةِ. وَأَمَّا نَفْسُ الْقَبْرِ فَلَيْسَ فِي رُؤَيتِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ بَل أَهْلُ الضَّلَالِ يَتَّخِذُونَهَا أَوْثَانًا كَمَا كَانَت الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَتَّخِذُونَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ، فَبِبَرَكَةِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- أَظْهَرَ اللهُ مِن ذِكْرِهِمْ وَمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِمْ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَتَنْتَفِعُ بِهِ الْعِبَادُ، وَأَبْطَلَ مَا يَضُرُّ الْخَلْقَ مِن الشِّرْكِ بِهِم وَإتِّخَاذِ قُبُورِهِمْ مَسَاجِدَ كَمَا كَانُوا يَتَّخِذُونَهَا فِي زَمَنِ مَن قَبْلَنَا. وَلَمْ يَكُن عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ قَبْرُ نَبِيٍّ ظَاهِرٌ يُزَارُ، لَا بِسَفَر وَلَا بِغَيْرِ سَفَرٍ، لَا قَبْرُ الْخَلِيلِ وَلَا غَيْرُهُ. وَلَمْ تَدَع الصَّحَابَةُ فِي الْإِسْلَامِ قَبْرًا ظَاهِرًا مِن قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ يَفْتَتِنُ بِهِ النَّاسُ، وَلَا يُسَافِرُونَ إلَيْهِ، وَلَا يَدْعُونَهُ، وَلَا يَتَّخِذُونَهُ مَسْجِدًا. [٢٧/ ٢٦٩ - ٢٧١] ٢٩٥٢ - قَالَ سُفْيَانُ التَّمَّارُ: إنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- مُسَنَّمًا. وَلَكِنْ كَانَ الدَّاخِلُ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لِقَوْلِهِ: "مَا مِن أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ" ١ ٢، وَهَذَا السَّلَامُ مَشْرُوعٌ لِمَن كَانَ
١ رواه أبو داود (٢٠٤١)، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود (٢٠٤١). ٢ قال الشيخ في موضع آخر: الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمِ كَانُوا يَعْرِفُونَ أن هَذَا السَّلَامَ عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِهِ .. : لَيْسَ مِن خَصَائِصِهِ، وَلَا فِيهِ فَضِيلَة لَهُ عَلَى غيْرِهِ، بَل هُوَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُسْلِمٍ حَيٍّ وَمَيِّتٍ، وَكُلُّ مُؤمِنٍ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَيْسَ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ، بَل إذَا لَقِيَهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا إذَا زَارَ الْقَبْرَ يُسَلِّمُ عَلَى الْمَيِّتِ. (٢٧/ ٤١٣)