1286 · ص251 · ج3
وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ، فَإنَّ هَذِهِ أَنْوَاعٌ، وَالتَّسْبِيحَ نَوْعٌ وَاحِدٌ، فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ صِيغَتَيْنِ ١.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)} [الأعلى: ١]، و {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)} [الواقعة: ٧٤] أَمْرٌ بِتَسْبِيحِ رَبِّهِ، لَيْسَ أَمْرًا بِصِيغَةِ مُعَيَّنَةٍ ٢.
وَأَحْمَد يُوجِبُهُ [أي: التسبيح، فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ رُكْنٌ وَهُوَ قَوِيٌّ؛ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَكَيْفَ يُوجِبُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَجِئْ أَمْرٌ بِهَا فِي الصَّلَاةِ خُصُوصًا وَلَا يُوجِبُ التَّسْبِيحَ مَعَ الْأَمْرِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ؟ وَمَعَ كَوْنِ الصَّلَاةِ تُسَمَّى "تَسْبِيحًا"؟
لَكِنْ قَد يُقَالُ: لَمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ ٣. [١٦/ ١١٤ - ١١٨]
٢٦١٥ - مِنَ الْفُقَهَاءِ مَن قَد يَقُولُ: التَّسْبِيحُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
= ربي العظيم في الركوع، وبين التسبيحات الأخرى الثابتة عنه، مثل: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، ومثل: سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوت وَالْكِبْرِياءِ وَالْعَظَمَةِ.
وهذا يدل على وجوب التسبيح، وأنه لا يجب أن يلتزم المصلي صيغةً مُعيّنة.
١ كلامه ظاهر الرجحان، لا سِيَّمَا مع ضعفِ حديثِ عقبةَ بنِ عامر.
٢ وأيضًا: فقد ثبت في الصحيحين البخاري: (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤)، عَن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ.
أي: يُنفذ الأمر الذي ورد في قول الله تبارك وتعالى في سورة النصر: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ}.
فظاهر هذا: أنّه بهذا الذكر يكون قد أتى بالواجب، لا سيما وأنه كان يُكثر منه.
٣ وهذا هو الصارف الراجح للركنية، ويبقى التسبيح في الركوع والسجود على الوجوب، وقد قال الشيخ في موضع آخر في قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [السجدة: ١٥]، وَقَوْلُهُ: {ذُكِّرُوا بِهَا} يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْآيَاتِ، فَالتَّذْكِيرُ بِهَا جَمِيعِهَا مُوجِبٌ لِلتَّسْبِيحِ وَالسُّجُودِ، وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ التَّسْبِيحِ وَالسُّجُودِ، وَعَلَى هَذَا تَدُلُّ عَامَّةُ أَدِلَّةِ الشَرِيعَةِ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ: تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ جِنْسِ التَّسْبِيحِ، فَمَن لَمْ يُسَبِّحْ فِي السُّجُودِ فَقَد عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ، وإِذَا أَتَى بِنَوْعٍ مِن أنْوَاعِ التَّسْبِيحِ الْمَشْرُوع أَجْزَأَهُ. (٣٢/ ١٤٩)