← المكتبة ▭▭ صفحتان
تقريب فتاوى ابن تيمية
أحمد بن ناصر الطيار الفتاوى 728 هـ
A− A+
2983 · ص367 · ج2
فَالْبَيِّنَةُ: الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَالشَّاهِدُ الَّذِي يَتْلُوهُ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الرَّسُولَ وَمَن اتَّبَعَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الرَّسُولَ عَلَى بَيّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وَمُتَّبِعِيهِ عَلَى بَينةٍ مِن رَبِّهِ. ثُمَّ قَالَ: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} وَالضمِيرُ فِي (مِنْهُ) عَائِدٌ إلَى اللهِ تَعَالَى؛ أَيْ: وَيَتْلُو هَذَا الَّذِي هُوَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن ربِّهِ شَاهِد مِن اللهِ. ويتْلُوهُ: مَعْنَاهُ يَتَّبِعهُ، كَمَا قَالَ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة: ١٢١]؛ أَيْ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ، وَقَالَ: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)} [الشمس: ٢]؛ أَيْ: تَبِعَهَا. فَهَذَا الشَّاهِدُ يَتْبَعِ الَّذِي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ فَيُصَدِّقُهُ ويُزَكِّيهِ ويُؤِّيدُهُ وَيُثْبِتُهُ، كَمَا قَالَ: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا} [النحل: ١٠٢]. وَقَد سَمَّى اللهُ الْقُرْآنَ سُلْطَانًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَإِذَا كَانَ السُّلْطَانُ الْمُنَزَّلُ مِن اللهِ يَتْبَعُ هَذَا الْمُؤْمِنَ: كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ قُوَّتَهُ وَتَسَلُّطَهُ عِلْمًا وَعَمَلًا. وَقَالَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: تَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا إيمَانًا. فَهُم كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْإِيمَانَ ثُمَّ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} [هود: ١٧]؛ يَعْنِي: هُدَى الْإِيمَانِ {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ}؛ أَيْ: مِن اللهِ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ شَاهِدٌ مِن اللهِ، يُوَافِقُ الْإِيمَانَ ويتْبَعُهُ. وَقَالَ: {وَيَتْلُوهُ} لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرَادُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ الْإِيمَانُ وَزِيَادَتُهُ ١.
١ فيكون المعنى: يَتْلُو الشَّاهدُ على منْ كانَ على بَيِّنَةٍ مِن رَبِّه؛ أَيْ: يَتْبَعُهُ، شاهدًا لهُ بِما هُو عليْه مِن البَيِّنةِ. =