← المكتبة ▭▭ صفحتان
تقريب فتاوى ابن تيمية
أحمد بن ناصر الطيار الفتاوى 728 هـ
A− A+
2857 · ص292 · ج5
وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِن الْمُتَّهَمِينَ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ، فِي قِصَّةِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ: هَل الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي، أَو كِلَاهُمَا أَو لَا يُسَوَّغُ ضَرْبُهُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي. وَوَجْهُ هَذَا: أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسْبَابِهَا وَتَحَقُّقِهَا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْبَسُ وَلَا يُضْرَبُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَن بِدْعَتِهِ: أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُحْبَسُ إلَى الْمَوْتِ. وَأَمَّا عُقُوبَةُ مَن عُرِفَ أَنَّ الْحَقَّ عِنْدَهُ، وَقَد جَحَدَهُ: فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، لَا نِزَاعَ بَيْنَهُم أَنَّ مَن وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ مِن عَيْنٍ أَو دَيْنٍ -وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ- وَامْتَنَعَ مِنْهُ، أَنَّهُ يُعَاقَبُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ، وَنَصُّوا عَلَى عُقُوبَتِهِ بِالضَّرْبِ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ مِن الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ. وَفِي "السُّنَنِ" عَنْهُ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "مَطْلُ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ" ١، وَالْعُقُوبَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْحَبْسِ؛ بَل هِيَ فِي الضَّرْبِ أَظْهَرُ مِنْهَا فِي الْحَبْسِ، وَثَبَتَ عَنْهُ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ" ٢ وَالظَّالِمُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ شَرْعًا. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ، وَهِيَ نَوْعَانِ:
١ رواه أبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي (٤٦٨٩)، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود. ٢ رواه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤).