2843 · ص287 · ج5
وَأَمَّا سَائِرُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ -مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالشَّامِ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ، مِثْل ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ-: فَتَارَةً يُحَلِّفُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَت بِذَلِكَ السُّنَّةُ.
وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْيَمِينَ مَشْرُوعَةٌ فِي أَقْوَى الْجَانِبَيْنِ.
وَأَجَابُوا عَن ذَلِكَ الْحَدِيثِ: تَارَةً بِالتَّضْعِيفِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ عَامٌّ، وَأَحَادِيثُهُم خَاصَّةً، وَتَارَةً بِأَنَّ أَحَادِيثَهُم أَصَحُّ وَأَكْثَرُ، فَالْعَمَلُ بِهَا عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْلَى.
وَقَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَنَّهُ طَلَبَ الْبَيِّنَةَ مِن الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ مِن الْمُنْكِرِ" فِي حُكُومَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، لَيْسَتْ مِن جِنْسِ دَعَاوَى التُّهَمِ، مِثْل مَا خَرَّجَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" ١ عَن الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ حُكُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "شَاهِدَاكَ أَو يَمِينُهُ" .. وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ: "بَيِّنَتُكَ إنَّهَا بِئْرُكَ، وَإِلَّا فَيَمِينُهُ" ٢.
وَعَن وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ مِن حَضْرَ مَوْتَ، وَرَجُلٌ مِن كِنْدَةَ إلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ الَّذِي مِن حَضْرَمَوْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَت لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ؛ هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "ألكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَلَكَ يَمِينُهُ لا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ الرَّجُلُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِن شَيْءٍ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ"، فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ لِيَحْلِفَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ"" ٣. رَوَاهُ مُسْلِمٌ ٤.
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْمَطْلُوبِ إلَّا الْيَمِينَ، مَعَ ذِكْرِ الْمُدَّعِي لِفُجُورِهِ، وَقَالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ".
١ البخاري (٢٥١٦)، ومسلم (١٣٨).
٢ رواه أحمد (٢١٨٤٨).
٣ يا له من وعيد شديد، وعقاب عظيم لمن يأخذ حق غيره ويحلف بالله كاذبًا.
٤ (١٣٩).