261 · ص416 · ج1
وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ مَن الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارج: فَيُنْكِرُونَهَا وَلَا يَحْمِلُونَهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، ويزْعُمونَ أَنَّ مَن أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّةٌ، وَهُم عِنْدَ مَن أَقَرَّ بِهَا نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ لَا مُثْبِتُونَ.
وَالْحَقُّ فِيمَا قَالَهُ الْقَائِلُونَ بِمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَهُم وَأَئِمَّةُ الْجَمَاعَةِ. اهـ.
وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَن الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ هُوَ فِي بَعْضِ مَا يَنْفونَهُ مِن الصِّفَاتِ، وَأَمَّا فِيمَا يُثْبِتُونَهُ مِن الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ كَالْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالْمُتَكَلِّمِ فَهُم يَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ. [٥/ ١٩٦ - ١٩٨]
* * *
(الكلام في قرب الله تعالى ونزوله)
٤٤٨ - قَوْلُهُ تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: ١٦] هُوَ قُرْبُ ذَوَاتِ الْمَلَائِكَةِ، وَقُرْبُ عِلْمِ اللهِ مِنْهُ، وَهُوَ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، وَهُم لَا يَعْملونَ شَيْئًا إلَّا بِأَمْرِهِ، فَذَاتُهُم أَقْرَبُ إلَى قَلْبِ الْعَبْدِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضهُم أَقْرَبَ إلَيْهِ مِن بَعْضٍ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقر: ١٨٦] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْبَ نَعْتُهُ، لَيْسَ هُوَ مُجَرَّدَ مَا يَلْزَمُ مِن قُرْبِ الدَّاعِي وَالسَّاجِدِ.
وَدُنُوُّه عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: هُوَ لِمَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ لَيْلَتئِذٍ مِن الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالتَّوْبَةِ، وإِلَّا فَلَو قُدِّرَ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ الدُّنُوُّ إلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ أَحَد لَمْ يَحْصُلْ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى قُرْبِهِ مِنْهُم بِسَبَبِ تَقَرُّبِهِم إلَيْهِ.
وَالنَّاسُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ يَكُون فِي قُلُوبِهِم مِن التَّوَجُّهِ وَالتَّقَرُّبِ وَالرِّقَّةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ١، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِنُزُولهِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَقَوْلِهِ:
١ وهذا يجده أهل قيام الليل، فهم من أسعد الناس وأعظمهم راحةً ونشاطًا وهمّة، ويجدون في =
262 · ص419 · ج1
وَأَمَّا مَن كَانَت عَادَتُهُ الْجُمُعَةَ ثُمَّ مَرِضَ أَو سَافَرَ: فَإِنَّهُ يُكتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ، وَكَذَلِكَ الْمَحْبُوسُ وَنَحْوُة، فَهَؤُلَاءِ لَهُم مِثْلُ أَجْرِ مَن شَهِدَ الْجُمُعَةَ، فَيَكُونُ دُعَاؤُهُم كَدُعَاءِ مَن شَهِدَهَا.
وَقَد تَكُونُ الرَّحْمَةُ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَى الْحُجَّاج عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَعَلَى مَن شَهِدَ الْجُمُعَةَ: تَنْتَشِرُ بَرَكَاتُهَا إلَى غَيْرِهِمْ مِن أَهْلِ الْأعْذَارِ، فَيَكُونُ لَهُم نَصِيبٌ مِن إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَحَظٌّ مَعَ مَن شَهِدَ ذَلِكَ، كَمَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
فَهَذَا مَوْجُودٌ لِمَن يُحِبُّهُمْ، وَيُحِبُّ مَا هم فِيهِ مِن الْعِبَادَةِ، فَيَحْصُلُ لِقَلْبِهِ تَقَرُّبٌ إلَى اللهِ وَيَوَدُّ لَو كَانَ مَعَهُمْ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ الَّذِي لَا يَرَى الْحَجَّ بِرًّا وَلَا الْجُمُعَةَ فَرضًا وَبِرًّا؛ بَل هُوَ مُعْرِضٌ عَن مَحَبَّةِ ذَلِكَ وإرَادَتِهِ: فَهَذَا قَلْبُهُ بَعِيدٌ عَن رَحْمَةِ اللهِ؛ فَإنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِن الْمُحْسِنِينَ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُمْ.
وَرُوِيَ فِي ساعَةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهَا آخِرُ النَّهَارِ، فَيَكُونُ سَبَبُهَا الْوَقْتَ.
٤٤٩ - لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَصْفُ الرَّبِّ تَعَالَى بِالْقُرْبِ مِن كُلِّ شَيءٍ أَصْلًا؛ بَل قُرْبُهُ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ خَاصٌّ لَا عَامٌّ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: ١٨٦] فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَرِيبٌ مِمَن دَعَاهُ.
وَكَذَلِكَ مَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" ١ عَن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُم كَانُوا مَعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ فَكانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُم بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أنفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، إن الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلَى أَحَدِكُمْ مِن عُنُقِ رَاحِلَتِهِ".
فَقَالَ: "إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أقرَبُ إلَى أَحَدِكُمْ" لَمْ يَقُلْ إنَّهُ قَرِيبٌ إلَى كُلِّ مَوْجُودٍ.
١ البخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤).