929 · ص207 · ج4
{لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا} يُؤْذِيهِمْ حَرُّها، لأن الجنة نُورٌ لا يَحْتاجُونَ فيها إلَى شَمْسٍ تُنِيرُها {وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)} ولا يُصِيبُهُمْ بَرْدُ الزَّمْهَرِيرِ؛ لأنه ليس فِي الجنة شِتاءٌ ولا صَيْفٌ، قال النبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الجَنّةُ سَجْسَجٌ، لا حَرَّ فيها ولا قُرَّ" ١.
قال الفَرّاءُ ٢: ونصب {مُتَّكِئِينَ} على القطع. وهو عند البصريين منصوب على الحال من الهاء والميم، والعامل فيه "جَزاهُمْ"، ولا يجوز أن يعمل فيه {صَبَرُوا}؛ لأن {مُتَّكِئِينَ} إنما هو في الجنة، والصبر في الدنيا ٣، ويجوز أن يكون منصوبًا على أنه نعت للجنة ٤، وذلك حَسَنٌ لأنه قد عاد الضمير عليها.
وقوله: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} القول فيه كالقول فِي {مُتَّكِئِينَ}، ويكون معناه: غَيْرَ رائِينَ ٥، والزَّمْهَرِيرُ: البَرْدُ الشَّدِيدُ ٦، وقيل ٧: هو القَمَرُ
١ رواه ابن أبيِ شيبة بسنده عن عبد اللَّه في مصنفه ٨/ ٦٩، وينظر: شفاء الصدور ورقة ١٩٣/ أ، تفسير القرطبي ١٩/ ١٣٨، الدر المنثور ٦/ ٣٠٠. والسَّجْسَجُ: الهَواءُ المعتدل بَيْنَ الحَرِّ والبَرْدِ، ينظر: غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ١٢٧، النهاية لابن الأثير ٢/ ٣٤٣، اللسان: سجج.
٢ معانِي القرآن ٣/ ٢١٦، على أن الفراء والكوفيين يطلقون مصطلح القطع أحيانا ويريدون به الحال، وهذا هو الظاهر من كلام الفراء هنا، وينظر: مصطلحات النحو الكوفِيِّ ص ٥٧.
٣ من أول قوله: "وهو عند البصريين منصوب على الحال" قاله النحاس بنصه في إعراب القرآن ٥/ ١٠٠، وينظر: مشكل إعراب القرآن ٢/ ٤٣٨.
٤ هذا الوجه أجازه الفراء، فقد قال: "وَإنْ شئت جعلته تابعا لِلْجَنّةِ، كأنك قلت: جَزاهُمْ جَنّةً مُتَّكِئِينَ فيها". معانِي القرآن ٣/ ٢١٦، وأجازه النحاس أيضًا في إعراب القرآن ٥/ ١٠٠، وينظر: مشكل إعراب القرآن ٢/ ٤٣٨.
٥ قاله النحاس بنصه في إعراب القرآن ٥/ ١٠٠، وينظر: مشكل إعراب القرآن ٢/ ٤٣٨.
٦ قاله مجاهد وقتادة، ذكره الطبري في جامع البيان ٢٩/ ٢٦٥، وحكاه الأزهري عن الليث في التهذيب ٦/ ٥٢٤، وينظر: الصحاح ٢/ ٦٧٢، الكشف والبيان ١٠/ ٩٨، الفريد ٤/ ٥٨٨.
٧ قاله أحمد بن يحيى، ينظر: الكشف والبيان ١٠/ ٩٨، الكشاف ٤/ ١٩٧، المحرر الوجيز ٥/ ٤١١، زاد المسير ٨/ ٤٣٥، تفسير القرطبي ١٩/ ١٣٨، البحر المحيط ٨/ ٣٨٤.