388 · ص84 · ج3
هم كفار أهل الكتاب الذين ارتدوا عن الإيمان بمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد المعرفة به، أي: ارْتَدُّوا على أعقابهم كفارًا {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} يعني أمْرَ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، تبين لهم في التوراة أنه نَبِيٌّ رَسُولٌ، ثم قال: {الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ}؛ أي: زَيَّنَ لهم تَرْكَ الهدى {وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)} هذه قراءة أكثر الأئمة، وقرأ أبو عمرو والأعرج وشيبة وعاصم الجحدري: {وَأُمْلَيَ لَهُمْ} على ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، وقرأ مجاهد وسلام ١ ويعقوب: {وَأُمْلَي لَهُمْ} بإسكان الياء ٢.
فالقراءة الأولى بمعنى: فَأمْلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لهم، والثانية تَؤُولُ إلى هذا المعنى، والثالثة بَيِّنةٌ، أخْبَرَ اللَّهُ تعالى أنه يُمْلِي لهم.
ومعنى {وَأَمْلَى لَهُمْ}؛ أي: أمْهَلَهُمْ ومَدَّ لهم في العُمُرِ؛ لِيَتَمادَوْا في طغيانهم، ولَمْ يُعاجِلْهُمْ بالعقوبة، كما قال: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} ٣، ويَحْسُنُ الوقفُ على قوله: {سَوَّلَ لَهُمْ}؛ لأنه فعل الشيطان، والإملاءُ فِعْلُ اللَّهِ، وعلى قول الحَسَنِ لا يَحْسُنُ ٤؛ لأنه يقول في تفسيره: "وَأمْلَى لَهُمْ" مَدَّ لَهُم الشيطانُ في الأمَلِ.
١ هو سلام بن سليمان الطويل، أبو المنذر المُزَنِيُّ القارئ النحويُّ الكوفِيُّ، ثقة جليل، أخذ القراءة عن عاصم بن أبِي النَّجُودِ وأبِي عَمْرٍو البصري، توفِّي سنة (١٧١ هـ). [غاية النهاية ١/ ٣٠٩، تهذيب الكمال ١٢/ ٢٨٨ - ٢٩١].
٢ قرأ بالبناء للمفعول أيضًا: عيسى بن عمر وابن سيرين وأبو جعفر وابن أبِي إسحاق، وقرأ مجاهد وسلام ويعقوب والمُطَّوِّعِيُّ وابن هرمز والأعمش والجحدري: {وَأُمْلِي لَهُمْ} على فعل المتكلم. ينظر: السبعة ص ٦٠٠، ٦٠١، إعراب القراءات السبع ٢/ ٣٢٥، المحتسب ٢/ ٢٧٢، تفسير القرطبي ١٦/ ٢٤٩، البحر المحيط ٨/ ٨٣.
٣ الأعراف الآية ١٨٣، والقلم الآية ٤٥، وينظر في معانِي هذه القراءات: معانِي القراءات ٢/ ٣٨٦، ٣٨٧، إعراب القراءات السبع ٢/ ٣٢٥، الحجة للفارسي ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٦.
٤ يعني الحسن البصري، فإنه يرى أن الضمير في "أمْلَى" للشيطان، ينظر: الوسيط ٤/ ١٢٧، =