← المكتبة ▭▭ صفحتان
البستان في إعراب مشكلات القرآن
ابن الأحنف اليمني التفسير 717 هـ
A− A+
1933 · ص452 · ج2
الأمة من الشريعة {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} جواب القسم، والمعنى: إنا أنزلناه وبَيَّنّاهُ ووَصَفْناهُ وسَمَّيْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، كقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ} ١، وقوله: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} ٢ ونَحْوِها من الآيات، كُلُّها بِمَعْنَى الوصفِ والتسميةِ ٣، ويستحيل أن يكون بمعنى الخَلْقِ، وهذا رَدٌّ على من يقول بخلق القرآن. والهاء التي في {جَعَلْنَاهُ} مفعولٌ أوَّلُ، و {قُرْآنًا} مفعولٌ ثانٍ، فهذه "جَعَلْنا" التي تتعدى إلَى مفعولين بمعنى صَيَّرْنا، ليست {جَعَلْنا} التي بمعنى خَلَقْنا؛ لأن تلك لا تتعدى إلَّا إلَى مفعول واحد، نحو قوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ٤، وفَرَّقَت العربُ بينهما بما ذكرناه، وقوله: {عَرَبِيًّا}؛ لأن من التنزيل ما هو عِبْرانِيٌّ وسُرْيانِيٌّ، وكتاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- عَرَبِيٌّ يُقْرَأُ بالعربية، وهذا يدل على أنه إذا قُرِئَ بغير العربية لا يكون قرآنًا، وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا (٣)}؛ أي: لكي تعقلوا ما فيه وتَعُوهُ. قوله: {وَإِنَّهُ} يعنِي القرآن {فِي أُمِّ الْكِتَابِ} يعنِي أصْلَ الكتاب،
١ المائدة ١٠٣. ٢ الزخرف ١٩، وقد جاءت في الأصل: "أجعلتم عباد الرحمن إناثًا". ٣ يعني أن الفعل "جَعَلَ" في هذه الآيات بمعنى صَيَّرَ أو وَصَفَ أو سَمَّى أو بَيَّنَ، وهذا رَدٌّ على من قال بأن القرآن مخلوق، وهم المعتزلة، ينظر: إعراب القرآن ٤/ ٩٧، الكشف والبيان ٨/ ٣٢٨ - ٣٢٧، عين المعانِي ورقة ١١٩/ أ، وقد جَوَّزَ الزمخشريُّ أن يكون {جَعَلَ} هنا بمعنى خَلَقَ؛ بناءً على مذهبه الاعتزالِيِّ، ينظر: الكشاف ٣/ ٤٧٧، وينظر: مفاتيح الغيب ٢٧/ ١٩٤، تفسير القرطبي ١٥/ ٣٢٨، ١٦/ ٦١، البحر المحيط ٨/ ٧، اللباب في علوم الكتاب ١٧/ ٢٢٧ - ٢٢٨. ٤ من الآية الأولى سورة الأنعام، وينظر: الفريد للهمداني ٤/ ٢٥١، البحر المحيط ٨/ ٧.