1911 · ص446 · ج2
وقوله: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} بحيث يسمع كلامه ولا يراه، كما كَلَّمَ موسى عليه السّلام {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} جبريلَ عليه السّلام أو غَيْرَهُ من الملائكة {فَيُوحِيَ} ذلك الرسولُ إلى المُرْسَلِ إليه {بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} قرأ نافع وشيبة: {أوْ يُرْسِلُ} برفع اللام على الابتداء والاستئناف، أي: وهو يرسلُ ١، والوقف كافٍ على ما قبله ٢، {فَيُوحِيْ} بإسكان الياء ٣، وقرأ الباقون بنصب اللام والياء، عطفًا بها على محل الوحي، لأن معناه: وما كان لِبَشَرٍ أن يكلمه اللَّهُ إلا أنْ يُوحِيَ إليه وَحْيًا، أو يُرْسِلَ رَسُولا ٤.
نزلت هذه الآية في اليهود ٥، وذلك أنهم قالوا للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ألَا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إليه إن كُنْتَ نَبِيًّا صادقًا، كما كَلَّمَهُ موسى ونَظَرَ إليه؟ فَإنّا لَنْ نُؤْمِنَ لك حتى يفعل اللَّهُ لك ذلك كما فَعَلَ لِمُوسَى، فقال لهم: "لَمْ يَفْعَلْ ذلك لِمُوسَى"، ونزلت هذه الآية إلى قوله: {إِنَّهُ عَلِيٌّ}؛ أي: رفيع فوق خلقه {حَكِيمٌ (٥١)} فِي أمره.
١ هذا ما قاله سيبويه في توجيه قراءة الرفع، وَشَبَّهَ الرفعَ في الآية بقول الأعشى:
إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عادَتُنا... أوْ تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ
الكتاب ٣/ ٥٠ - ٥١.
٢ يعني أن الوقف على قوله: "حِجابٍ"، ثم تبتدئ: "أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا"، وهذا على قراءة الرفع، ينظر: الوسيط للواحدي ٤/ ٦١.
٣ قرأ نافع وشيبةُ، وابنُ عامر من طريق ابن ذكوان، والزهريُّ وأبو جعفر وهشامٌ: "أوْ يُرْسِلُ. . فَيُوحِي" بالرفع فيهما، وقرأ الباقون بالنصب، ينظر: السبعة ص ٥٨٢، تفسير القرطبي ١٦/ ٥٣، البحر المحيط ٧/ ٥٠٤، الإتحاف ٢/ ٤٥١.
٤ هذا ما قاله سيبويه في توجيه قراءة النصب، ينظر: الكتاب ٣/ ٤٩.
٥ ينظر: الكشف والبيان ٨/ ٣٢٥ - ٣٢٦، أسباب النُّزُولِ ص ٢٥٢، زاد المسير ٧/ ٢٩٧، تفسير القرطبي ١٦/ ٥٣.