1041 · ص235 · ج4
{كَذَلِكَ} يعني الذي فَعَلْنا بِمَنْ تَقَدَّمَ من الأمم {نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨)} من أهل مكة.
ثم ذكر بَدْءَ خَلْقِهِمْ، فقال تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)} يعني النُّطْفةَ {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)} عني: في الرَّحِمِ {إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)} يعني مُدّةَ الحَمْلِ، وهو وقت الولادة.
{فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)} يعني: قَدَرْنا خَلْقَهُ كَيْفَ يكون قصيرًا أو طويلًا ذكرًا أو أنثى، وفيه قراءتان: التخفيف والتشديد، قرأ عَلِيٌّ والحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وَطَلْحةُ وَقَتادةُ وابن أبِي إسْحاقَ وَأيُّوبُ وَنافِع والكِسائِي بالتشديد من التقدير، وهي اختيار الكسائي ١، وقرأ الباقون بالتخفيف ٢ من القُدْرةِ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله: {فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)} ٣، قال الفَرّاءُ ٤: والمعنى فيهما واحد، نظيره قوله تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} ٥ يُقْرَأُ بالتخفيف والتشديد، ومعنى قوله: {فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ}؛ أي: المُقَدِّرُونَ.
١ قال ابن خالويه: "قيل للكسائي: لِمَ اخْتَرْتَ التشديد واسمُ الفاعل ليس مَبْنِيًّا على هذا الفعل؟ فقال: بمنزلة {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ}، ثم قال: {أَمْهِلْهُمْ}، وَلَمْ يَقُلْ: مَهِّلْهُمْ. يعني: أنه أتى باللغتين كِلْتَيْهِما، ومثله: {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا}، وَلَمْ يَقُلْ: تَعْذِيبًا". إعراب القراءات السبع ٢/ ٤٢٨، وينظر: حجة القراءات ص ٧٤٤، الكشف والبيان ١٠/ ١١٠.
٢ قرأ بالتشديد أيضًا، ابنُ عامر وأبو جعفر وشيبةُ، وَرُوِيَ التخفيفُ عن عَلِيِّ بن أبِي طالب، ينظر: معانِي القرآن للفراء ٣/ ٢٢٣، السبعة ص ٦٦٦، الكشف والبيان ١٠/ ١٠٩، تفسير القرطبي ١٩/ ١٦٠، الإتحاف ٢/ ٥٨١.
٣ ينظر اختيارهما في الكشف والبيان ١٠/ ١١٠، تفسير القرطبي ١٩/ ١٦٠.
٤ معانِي القرآن ٣/ ٢٢٣ باختلاف في ألفاظه.
٥ الواقعة ٦٠.