1409 · ص329 · ج4
ثُمَّ عَظَّمَ ذلك اليومَ، فقال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)} يعني يوم الحساب، ثم كَرَّرَهُ تفخيمًا لشأنه، فقال: {ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)} {مَا} هنا استفهام فيها معنى التعجب والتعظيم، وقد ذكرتُ نظيرها في سورة الحاقة ١، فَأغْنَى عن الإعادة هاهنا؛ إذ المعنى واحد، وتكرار {مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)} لِيُفْهَمَ ثَوابُ الأبْرارِ وَعِقابُ الفُجّارِ.
ثم أخْبَرَ نَبيَّهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن يوم الدين، فقال تعالى: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)} يعني يوم القيامة {لِلَّهِ (١٩)} المعنى: إنَّ اللَّهَ لا يُمَلِّكُ فِي ذلك اليومِ أحَدًا شَيْئًا من الأمور كما مَلَّكَهُمْ في دار الدنيا.
وقوله: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ} قرأ أهل مكة وأهل البصرة برفع الميم ٢ رَدًّا على اليوم الأول بدلًا منه، ويجوز أن يُرفع على إضمار "هُوَ" ٣، وقرأ غيرهم بالنصب على الظرف؛ أي: في يوم الدين، واختاره أبو عبيد، قال ٤: لأنها إضافة غير محضة، قال ابن الأنباري ٥: وهو في موضع رفع إلّا أنه نصب؛ لأنه مضاف غير محض، كما تقول: أعْجَبَنِي يَوْمَ يَقُومُ ٦ زَيْدٌ، وأنشد أبو العباس:
١ الحاقة ١ - ٢، وينظر ما سبق ٤/ ٣٤ - ٣٥.
٢ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن واليزيدي وابن أبِي إسحاق وعيسى بن عمر وابن جندب: "يَوْمُ لَا تَمْلِكُ" بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب، ينظر: السبعة ص ٦٧٤، البحر المحيط ٨/ ٤٢٨، الإتحاف ٢/ ٥٩٥.
٣ قاله الأخفش في معانِي القرآن ص ٥٣١، وقاله الزجاج والنحاس ومَكِّيٌّ أيضًا، ينظر: معانِي القرآن وإعرابه ٥/ ٢٩٦، إعراب القرآن ٥/ ١٧٠، مشكل إعراب القرآن ٢/ ٤٦٢.
٤ ينظر قوله واختياره في الكشف والبيان ١٠/ ١٤٨.
٥ إيضاح الوقف والابتداء ص ٩٦٩.
٦ في الأصل: "يوم القيامة"، وهو خطأ، والتصويب من إيضاح الوقف والابتداء.