1182 · ص271 · ج3
الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ}، خَرَّ مَغْشِيًّا عليه حتى فَرَغْنا من الصلاة، فلما كان بعد ذلك قلنا له: يا عَلِيُّ: أما سَمِعْتَ الإمامَ يقول: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ}؟ قال: شَغَلَنِي عنها: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} ١.
وكُلُّ ما ذَكَرَ اللَّهُ تعالى من قوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} إلى قوله: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} مَواعِظُ ومَزاجِرُ وتَهَدُّدٌ وتَخْوِيفٌ، وهي كلها نعمة من اللَّه تعالى لِلانْزِجارِ به عن المعاصي، ولذلك ختم كل آية بقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ٢.
ثم أعْلَمَ ما لِمَنِ اتَّقاهُ وخافه بقوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)} يعني منامه بين يَدَيْ رَبِّهِ للحساب، نظيرها قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} ٣.
قيل ٤: نزلت هذه الآية في أبِي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه-، ومعنى قوله: "جَنَّتانِ"؛ أي: بُسْتانانِ من الياقوت الأحمر والزُّمُرُّدِ الأخضر، تُرابُهُما الكافور والعَنْبَرُ، وحَمْأتُهُما المِسْكُ الأذْفَرُ ٥، كل بستان منهما مسيرة مائة عام، في وسط كل بستان دار من نور، وقال مقاتل: هما جَنّةُ عَدْنٍ وجَنّةُ النَّعِيمِ، وقال
١ ينظر: الوسيط ٤/ ٢٢٤، زاد المسير ٨/ ١١٩.
٢ قاله الواحدي في الوسيط ٤/ ٢٢٥، وينظر: تفسير القرطبي ١٧/ ١٧٦.
٣ النازعات ٤٠ - ٤١.
٤ ينظر: عين المعانِي ١٣٠/ أ، القرطبي ١٧/ ١٧٨، لباب النقول ص ١٨٦، الدر المنثور ٦/ ١٤٥.
٥ الحَمْأةُ: الطِّينُ، الأذْفَرُ: الطَّيِّبُ الرّائِحةِ، يقال: ذَفِرَ الشَّيءُ يَذْفَرُ ذَفَرًا فهو ذَفِرٌ وأذْفَرُ: إذا اشْتَدُّ طِيبُ رائِحَتِهِ. اللسان: حمأ، ذفر.