1081 · ص245 · ج4
وَفِي {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} وجهان، إن شئتَ جعلتَ "عَن" الأولى صِلةً للفعل الظاهر، والثانيةَ صِلةً لفعلٍ مضمرٍ، كأنك قلتَ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ؟ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ، قال: فَمِنْ هذا الوجه يَحْسُنُ الوُقُوفُ على {يَتَسَاءَلُونَ}، والوجه الآخر: أن تجعل "عن" الثانية توكيدًا للأُولَى كما قرأ عبد اللَّه بن مسعود: {وَلِلظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ١، فجعل اللام الثانية توكيدًا للأُولَى، وأنشد الفَرّاءُ ٢:
أقُولُ لَها إذا سَألَتْ طَلَاقًا: ... إلَامَ تُسارِعِينَ إلَى فِراقِي ٣
فَأكَّدَ الأولى بالثانية.
ثُمَّ بَيَّنَ فقال: {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)} يعني القرآن في قول عامة المفسرين، وقال الضحاك: يعني نَبَأ يَوْمِ القيامة {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)} مِنْ بَيْنِ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)} إذا قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وَتَوَفَّتْهُم الملائكةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأدْبارَهُمْ، وهذا وَعِيدٌ من اللَّه على إثْرِ وَعِيدٍ، والوعيد الثانِي: القيامةُ، قرأ العامة بالياء فيهما، وقرأ بعض قُرّاءِ أهْلِ الشامِ بالتاء فيهما ٤.
قيل: إنها نزلت في أبِي جَهْلِ بن هشام وأصحابِهِ، كانوا يجتمعون عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإذا حَدَّثَهُمْ خالفوا حَدِيثَهُ، واسْتَهْزَؤوا به، وَسَخِرُوا منه، فأنزل
١ سورة الإنسان من الآية ٣١، وينظر ما تقدم في هذه الآية ٤/ ٢٢٥.
٢ معانِي القرآن ٣/ ٢٢١.
٣ تقدم برقم ٤٥٢، ٤/ ٢٢٦.
٤ قرأ ابن عامر في رواية ابن ذَكْوانَ عنه، والحَسَنُ وأبو العالية ومالكُ بن دِينارٍ: "سَتَعْلَمُونَ" بالتاء فيهما، وقرأ ابن عامر في رواية هشام بالياء فيهما، وقرأ الضحاكُ الأولَ منهما بالتاء والثانِيَ بالياء، ينظر: السبعة ص ٦٦٨، تفسير القرطبي ١٩/ ١٧١، البحر المحيط ٨/ ٤٠٣.