3110 · ص497 · ج2
لمَّا ساروا إلى بني قُريظة قال: «لا تبدؤوهم بالسَّلام»، فهل هذا حكمٌ عامٌّ لأهل الذمَّة مطلقًا، أو يختصُّ بمن كانت حاله كحال أولئك؟ هذا موضع نظرٍ، ولكن قد روى مسلم في «صحيحه» ١ من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تبدؤوا اليهود والنَّصارى بالسَّلام، وإذا لقيتم أحدَهم في الطَّريق فاضطرُّوه إلى أضيقِه»، والظَّاهر أنَّ هذا حكمٌ عامٌّ.
وقد اختلف السَّلف والخلف في ذلك ٢، فقال أكثرهم: لا يُبْدَؤون ٣ بالسَّلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يردُّ عليهم، رُوي ذلك عن ابن عبَّاسٍ وأبي أمامة وابن مُحَيرِيز ٤، وهو وجهٌ في مذهب الشَّافعيِّ. لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له: السَّلام عليك فقط بدون ذكر الرَّحمة، وبلفظ الإفراد. وقالت طائفةٌ: يجوز الابتداء لمصلحةٍ راجحةٍ من حاجةٍ تكون له إليه، أو خوفٍ من أذاه، أو لقرابةٍ بينهما، أو لسببٍ يقتضي ذلك، يُروى ذلك عن إبراهيم النَّخعيِّ وعلقمة. وقال الأوزاعيُّ: إن سلَّمتَ فقد سلَّم الصَّالحون، وإن تركتَ فقد ترك الصَّالحون.
واختلفوا في وجوب ٥ الردِّ عليهم، فالجمهور على وجوبه، وهو
١ برقم (٢١٦٧)، ورواه أيضًا الترمذي (١٦٠٢) واللفظ له.
٢ انظر في هذا الموضوع: «التمهيد» (١٧/ ٩١ - ٩٤)، و «المجموع» (٤/ ٦٠٥، ٦٠٦)، و «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٤/ ١٤٥)، و «الفتح» (١١/ ٤٥).
٣ ك: «لا تبدأوهم».
٤ ق، ب، م، مب: «أبي محيريز»، خطأ. وهو عبد الله بن محيريز.
٥ «وجوب» ليست في ك.