595 · ص595
وذكر السمعاني أن بعض العلماء أوَّل كلام الحسن السابق، فقال: " وأوَّل بعضهم كلامه وقال: إن الأرواح تجعل في القرن، ثم ينفخ فيه، فتذهب الأرواح إلى الأجساد، وتحيا الأجساد ". ١
٢ ـ وأجمع العلماء على الإيمان والإقرار والتصديق، بالميزان الذي توزن به أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه أفلح ونجا، ومن خفت موازينه خاب وخسر. ٢
وكذلك السمعاني وافق إجماع السلف، ونص على أن الميزان في القيامة حقيقة، ليس علامة يُعرف بها مقادير استحقاق الثواب والعقاب، بل هو ميزان حقيقي، له لسان وكفتان ٣، قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف:٨]، يقول السمعاني: " قال مجاهد: معناه القضاء يومئذ بالحق والعدل، وأكثر المفسرين على أنه أراد به، الوزن بالميزان المعروف، وهو حق ". ٤
ثم أشار السمعاني إلى ثلاث مسائل:
الأولى: ما الذي يوزن في الميزان؟ وذكر خلاف العلماء في المسألة، فقال:
قال بعضهم: توزن صحائف الأعمال، وقيل: يوزن الأشخاص، وقيل: توزن الأعمال". ٥
والثانية: كيفية الوزن؟ وذكر قولين: الأول: يوزن الحسنات والسيئات، والثاني: يوزن خواتيم الأعمال. ٦
والثالثة: هل الميزان متعدد أم لا؟ وذكر قولين: الأول: أن الميزان للكل واحد، والثاني: أن لكل واحد ميزانا. ٧
وما أشار إليه السمعاني من المسائل، هي موطن نزاع بين العلماء، وقد تتبعها العلماء في مصنفاتهم، واستدلوا لها، وبينوا الراجح فيها، والسمعاني ذكر الأقوال دون أن يرجح أحدها.
١ السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٧
٢ ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٥
٣ السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤
٤ السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦٦
٥ السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٨٤
٦ السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٤
٧ السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦٦ - ٦/ ٢٧٣
596 · ص596
والذي يترجح في هذه المسائل ـ والعلم عند الله تعالى ـ: أن الذي يوزن، الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، يقول ابن كثير: " وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار، بأن يكون ذلك كله صحيحاً، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها ". ١
وأن الميزان واحد، وإنما جاء اللفظ بالجمع، باعتبار تعدد الموزون. ٢
وبقي أن نشير إلى أن السمعاني أورد قضيتين:
الأولى: فيما يتعلق بوزن أعمال الكفار، فقد أورد تساؤلاً في التوفيق بين قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء:٤٧]، وبين قوله تعالى: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف:١٠٥]، فأجاب عنه: بأن المعنى: أي: لا يستقيم وزنهم على الحق، فإن ميزانهم شائل ناقص خفيف ٣. وهذه المسألة محل خلاف عند العلماء، وما ذكره السمعاني هو الراجح ـ والعلم عند الله ـ وذلك أنها توزن، وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم، يقابل بها كفرهم؛ لإظهار شقائهم، وفضيحتهم على رؤوس الخلائق. ٤
والثانية: أشار السمعاني إلى بعض صفات الميزان، وهو أن له لسانا وكفتين، أما الكفتان فقد ذكر ابن القطان إجماع العلماء على ذلك، فقال: " وأجمعوا أن كفة السيئات تهوي إلى جهنم، وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها إلى الجنة " ٥، وأما اللسان فهو وارد عن ابن عباس وجماعة. ٦
٣ ـ وأجمع العلماء على أن الخلق يُؤتون بصحف أعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حساباً يسيراً، ومن أوتي كتابه بشماله، فأولئك يصلون سعيراً. ٧
وقد أثبت السمعاني هذا المعنى المجمع عليه، وقال: " الكتاب: هو صحيفة الحسنات والسيئات ". ٨
١ ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٣٩٠
٢ ابن عطية: المحرر الوجيز: ٤/ ٨٥
٣ السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٤
٤ ابن كثير: النهاية في الفتن والملاحم: دار الجيل، بيروت، ١٤٠٨ هـ (٢/ ٣٦)
٥ ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٥
٦ القرطبي: التذكرة: ٧٢٤
٧ ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٥
٨ السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٤