2094 · ص356 · ج1
في هذه الآية: (هو الرّجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقتل عليه) ١ فعلى هذا معنى قوله تعالى: {(يَشْرِي نَفْسَهُ)} أي يبيع نفسه يبذلها في الجهاد في سبيل الله. وهذا من أسماء الأضداد، قال الشاعر ٢ في شريت بمعنى بعت:
وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه
أي هلكت. وقوله تعالى: {(ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ)} نصب على أنه مفعول له؛ كأنّه قال: لابتغاء مرضاة الله. وقوله تعالى: {وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ} (٢٠٧)؛أي رحيم بهم يرغّبهم في الخير، ويثيبهم عليه رأفة بهم. ويقال: إنّه لرأفته ورحمته أمرهم ببيع أنفسهم لكي ينالوا من كريم ثوابه ما هو خير لهم.
قوله عزّ وجلّ: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً؛} قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية فيمن أسلم من أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنّهم عظّموا السّبت وكرهوا لحوم الإبل وألبانها، واتّقوا أشياء كانوا يتّقونها قبل أن يسلموا. وقالوا: يا رسول الله، إنّ التّوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم في صلاتنا باللّيل؟ فأنزل الله هذه الآية وأمرهم أن يدخلوا في جميع شرائع محمّد صلّى الله عليه وسلّم) ٣.
ومعناها: {(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)} أي في الإسلام، وقال مجاهد: (في أحكام الدّين وأعماله) ٤.وأصله من الاستسلام والانقياد؛ ولذلك قيل للصلح: سلم. وقال حذيفة في هذه الآية: (الإسلام ثمانية أسهم: الصّلاة سهم، والزّكاة سهم، والصّوم سهم، والحجّ سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنّهي عن المنكر سهم. وقد خاب من لا سهم له) ٥.
١ أخرجه الطبري في جامع البيان: النص (٣١٨٠).
٢ في الجامع لأحكام القرآن: ج ٣ ص ٢١؛ قال القرطبي: البرد هنا اسم غلام.
٣ في الدر المنثور: ج ١ ص ٥٧٩؛ قال السيوطي: «أخرجه ابن أبي حاتم».وعن عكرمة قال: «أخرجه ابن جرير».وفي جامع البيان عن عكرمة: النص (٣٠٨٨).
٤ أخرجه الطبري في جامع البيان: النص (٣١٩١).
٥ الجامع لأحكام القرآن: ج ٣ ص ٢٣.