111 · ص23 · ج3
قوله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ؛} معناه: قد نعلم إنّه ليحزنك ما يقول كفار مكّة من تكذيبهم إيّاك في العلانية وجحودهم بالله، {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ؛} في السرّ ولا بقلوبهم؛ أي هم يعلمون أنك صادق وكنت تسمّى فيهم (الأمين) قبل الرسالة، فلا يحزنك تكذيبهم إيّاك فيما يعلمون صدقك فيه، {وَلكِنَّ الظّالِمِينَ؛} المشركين، {بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ} (٣٣)؛بألسنتهم ما تشهد به قلوبهم بكذبهم فيه.
وقال السّدّيّ: (التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل؛ فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم؛ أخبرني عن محمّد؛ أصادق هو أم كاذب؛ فإنّه ليس هاهنا أحد يسمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: والله إنّ محمّدا لصادق؛ وما كذب محمّد قطّ، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللّواء والسّقاية والحجابة والنّبوّة؛ فماذا يكون لسائر قريش. فأنزل الله تعالى هذه الآية) ١.وقال: (معنى: {(لا يُكَذِّبُونَكَ)} لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأت به ممّا في كتب الأنبياء قبلك: كذبت!.
وقرأ نافع والكسائيّ: «(يكذبونك)» بالتخفيف. ومعناه: لا يجدونك كاذبا، يقال:
كذبت فلانا بالتشديد إذا قلت له: كذبت، وأكذبت فلانا؛ إذا رأيت ما أتى به كذبا.
وقرأ نافع «(ليحزنك)» بضمّ الياء، والمعنى واحد.
قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا؛} تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليصبر على أذى الكفار، ومعناه: أنّ الرسل قبلك كذبهم قومهم كما كذبك هؤلاء، وآذوهم كما آذوك؛ فصبر الرّسل على تكذيبهم وإيذائهم {(حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا)} أي أتاهم نصرنا بإهلاك قومهم، فاصبر أنت أيضا على تكذيب قومك إيّاك وإيذائهم لك حتى يأتيك نصرنا.
قوله تعالى: {وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ؛} أي لا مغيّر لما وعدك الله من النصر والظّفر بقوله: {إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا} ٢، {وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} (٣٤) أي من خبر المرسلين قبلك ما يكون لك فيه سلوة، فاعتبر بأخبارهم.
١ أخرجه الطبري في جامع البيان: النص (١٠٢٧٥).
٢ غافر ٥١/.