27 · ص9 · ج3
قوله عزّ وجلّ: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ؛} أي ألم يعلم أهل مكّة كم أهلكنا من قبلهم من قرن بكفرهم، مثل قوم نوح وعاد وثمود، {مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ؛} وأمهلناهم في العمر والولد ورفع الموانع ما لم نمهل لكم، {وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً؛} أي فأنزلنا عليهم المطر دارّا دائما يتبع بعضه بعضا، {وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ؛} ((أي من تحت)) ١ أشجارهم وبساتينهم، فلم يشكروا وعصوا ربّهم وكذبوا رسلهم، {فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ؛} بكفرهم وتكذيبهم، {وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ؛} أي من بعد هلاكهم، {قَرْناً؛} قوما، {آخَرِينَ} (٦)؛فسكنوا ديارهم، ثم بعثت إليهم الرّسل، فمن لم يأخذ بملّة الرّسل ومنهاجهم أهلكهم الله.
والقرن-في قول أكثر المفسّرين-:أهل عصر واحد، سمّوا قرنا؛ لاقترانهم في قرن واحد. ويقال: أهل كلّ عصر فيهم نبيّ أو عالم، لاقترانهم بالنبوّة والعلم، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: [خير النّاس قرني، ثمّ الّذين يلونهم] ٢.وأراد بالقرن الأوّل: الصّحابة، وبالثاني: التابعين، وبالثالث: تابعي التابعين. واختلفوا في مدّة القرن؛ قال بعضهم:
ثمانون سنة، وقيل: مائة سنة، وبين القرنين ثماني عشرة سنة.
قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ؛} قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي أميّة المخزوميّ؛ قال: يا محمّد؛ لن نؤمن لك حتّى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنّه من عند الله وأنّك رسوله).وقال مقاتل والكلبيّ: (نزلت في النّضر بن الحارث، وعبد الله ابن أبي أميّة، ونوفل بن خويلد؛ قالوا للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لن نؤمن لك حتّى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنّه من عند الله وأنّك رسوله، فأنزل الله تعالى هذه الآية) ٣.
١ ((أي من تحت)) ليست في المخطوطة.
٢ أخرجه الطبراني في الأوسط: الحديث (١١٤٤) عن النعمان بن بشير: ج ٢ ص ٧٤،والحديث (٥٤٧١) عن أبي هريرة رضى الله عنه: ج ٦ ص ٢٢٣.وفي مجمع الزوائد: ج ١٠ ص ١٩؛قال الهيثمي: ((فيه عاصم بن بهدلة، وهو حسن الحديث، وبقية رجال الإمام أحمد رجال الصحيح)).
٣ ذكره القرطبي أيضا في الجامع لأحكام القرآن: ج ٦ ص ٢٩٣.