2633 · ص445 · ج6
لا يلتفت أحد إلى أحد منهم لعظم ما هم فيه، ومخافة إن سأله أحد منهم يحمل عنه شيئا من عقابه ويواشيه ١ بشيء من ثوابه. وقيل: يفرّ منهم حذرا من مطالبتهم إياه بما بينهم من التّبعات والمظالم. وقيل: لعلمه بأنّهم لا ينفعونه.
وعن الحسن قال: «أوّل من يفرّ من أبيه يوم القيامة إبراهيم، ويفرّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم من أمّه، ويفرّ لوط عليه السّلام من زوجته، ونوح من ابنه كنعان، وهابيل من أخيه قابيل) ٢ وهذا في أولي الثّواب من أهل العقاب، وفي أهل العقاب فيما بينهم، وأمّا أهل الثّواب فيما بينهم فليسوا كذلك، ولكن يسألون ربّهم إلحاق ذرّيّتهم.
قوله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} (٣٧)؛أي شأن يشغله عن الأقرباء ويصرفه عنهم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبعث النّاس يوم القيامة حفاة عراة غرلا، فقلت: يا رسول الله فكيف بالعورات؟! فقال: [لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه] ٣.
عن سودة أمّ المؤمنين قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: [يبعث النّاس يوم القيامة حفاة عراة غرلا] قالت: قلت يا رسول الله؛ وا سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟! قال: [شغل النّاس عن ذلك، لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه].
قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} (٣٨)؛أي مضيئة مشرقة حسنة فرحة معجبة، مسرورة بما أكرمها الله تعالى به، وهي وجوه أهل الثواب،
{ضاحِكَةٌ؛} بالسّرور، {مُسْتَبْشِرَةٌ} (٣٩)؛أي فرحة بما تنال من الله من الكرامة،
{وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ} (٤٠)؛أي غبار من البلاء وسواد وكآبة،
{تَرْهَقُها قَتَرَةٌ} (٤١)؛أي يعلوها ويغشاها كسوف وسواد عند معاينة النار، والقترة:
سواد كالدّخان الأسود. ثم بيّن من أهل هذه الوجوه،
قال تعالى: {أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} (٤٢)؛أي الكفرة بالله الكذبة على الله، جمع كاذب فاجر.
آخر تفسير سورة (عبس) والحمد لله رب العالمين
١ وشى به إلى السلطان وشاية أي سعى. مختار الصحاح: (وشى).
٢ ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٩ ص ٢٢٥،وفيه اختلاف.
٣ أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢٨٢٠٣) وإسناده صحيح.