1938 · ص330 · ج1
قوله عزّ وجلّ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ؛} أي اقتلوا الذين يبدءونكم بالقتال من أهل مكّة حيث وجدتموهم؛ {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ؛} أي كما أخرجوكم من مكّة؛ قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ؛} أي والشّرك الذي هم فيه أعظم ذنبا من قتلكم إياهم في الحرم والأشهر الحرم والإحرام. هكذا قال عامة المفسرين. وقال الكسائيّ: (الفتنة هاهنا العذاب) وكانوا يعذّبون من أسلم.
قوله تعالى: {وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛} أي إذا بدءوكم في غير الحرم، ثم لجئوا إلى الحرم فكفوا عن قتالهم ولا تقاتلوهم في الحرم حتّى يقاتلوكم فيه، فإن بدءوكم بالقتال في الحرم فاقتلوهم فيه، {كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ} (١٩١).
قرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرّف ويحيى بن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائي: «(ولا تقتلوهم)» بغير ألف من القتل على معنى ولا تقتلوا بعضهم. تقول العرب: قتلنا بني تميم؛ وإنّما قتلوا بعضهم. وقرأ الباقون كلها بالألف من القتال.
واختلفوا في حكم هذه الآية؛ فقال بعضهم: هي منسوخة؛ نهوا عن الابتداء بالقتال، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ،} وهذا قول قتادة والربيع ١.وقال مقاتل: {(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)} أي حيث أدركتموهم في الحلّ والحرم. لما نزلت هذه الآية نسخها قوله تعالى: {(وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)} ثمّ نسختها آية السيف التي في براءة، فهي ناسخة منسوخة).
وقال آخرون: هذه آية محكمة؛ ولا يجوز الابتداء في القتال في الحرم. وهو قول مجاهد ٢ وأكثر المفسرين. وسمّي الكفر فتنة؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنة تؤدي إلى الهلاك.
قوله تعالى: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (١٩٢)؛أي فإن انتهوا عن القتال والكفر فإن الله {(غَفُورٌ)} لما مضى من جهلهم ولما سلف من كفرهم، {(رَحِيمٌ)} بهم بعد توبتهم وإسلامهم.
١ أخرجهما الطبري في جامع البيان: النص (٢٥٤٣ و ٢٥٤٤).
٢ أخرجه الطبري في جامع البيان: النص (٢٥٤٥).