← المكتبة ▭▭ 2 pages
درة الغواص في أوهام الخواص
الحريري كتب اللغة 516 هـ
A− A+
13 · ص20
من الزَّمَان، كَمَا تسْتَعْمل لَفْظَة أبدا فِيمَا يسْتَقْبل مِنْهُ فَيَقُولُونَ: مَا كَلمته قطّ وَلَا ُأكَلِّمهُ أبدا، وَالْمعْنَى فِي قَوْلهم: مَا كَلمته قطّ، أَي فِيمَا انْقَطع من عمري، لِأَنَّهُ من قططت الشَّيْء، إِذا قطعته، وَمِنْه قطّ الْقَلَم، أَي قطع طرفه. وَمِمَّا يُؤثر من شجاعة عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ إِذا اعتلى قد، وَإِذا اعْترض قطّ، فالقد قطع الشَّيْء طولا، والقط قطعه عرضا، وَلَفْظَة قطّ هَذِه مُشَدّدَة الطَّاء، وَهِي اسْم مَبْنِيّ على الضَّم مثل حَيْثُ ومنذ، وَأما قطّ بتَخْفِيف الطَّاء، فَهُوَ اسْم مَبْنِيّ على السّكُون مثل قد، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى حسب. وقرأت فِي أَخْبَار الْوَزير عَليّ بن عِيسَى أَنه رأى كَاتبا يبري بمجلسه قَلما فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالَ: مَالك فِي مجلسي إِلَّا القط فَقَط وَقد تدخل نون الْعِمَاد على قطّ وَقد، مَعَ ضمير الْمُتَكَلّم الْمَجْرُور كَمَا قَالَ الراجز فِي قطّ: (امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني ) أَي قد بلغ من الامتلاء إِلَى الْحَد الَّذِي لَو كَانَ لَهُ نطق لقَالَ حسبي. وَمِمَّا أنشدته من أَبْيَات الْمعَانِي: (إِذا نَحن نلنا من ثريدة عوكل ... فَقدنَا لَهَا مَا قد بَقِي من طعامها) أَرَادَ هَذَا الشَّاعِر بقوله: فَقدنَا، أَي فحسبنا. ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ: لَهَا مَا قد بَقِي من طعامها، أَي لَا نرزؤها بِهِ لاستغنائنا عَنهُ واكتفائنا بِمَا نلنا مِنْهُ.
→ prev 13 / 284 next ←