← المكتبة ▭ صفحة واحدة
الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء
محمد إبراهيم بن سركند الفقه العام
A− A+
595 · ص601 · ج1
والحديث يدل على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما كان ندبهم إلى الغسل، ولم يجعل ذلك عليهم حتماً؛ لأن معنى قوله: (لو اغتسلتم) أي لكان أفضل وأكمل، فد ذلك على الندب دون الوجوب ١. ثانياً: عن عكرمة أن ناساً من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضاً، فلما وجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك الريح قال: «أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه» قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق) ٢.
١ انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١١٧؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٤٤٨. ٢ أخرجه أبو داود في سننه ص ٦٢، كتاب الصلاة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، ح (٣٥٣)، وأحمد في المسند ٤/ ٢٤١؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١١٧؛ والحاكم في المستدرك ١/ ٤١٦؛ والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٤١. وصححه الجاكم على شرط البخاي، ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٤٤٦: (وإسناده حسن، لكن الثابت عن ابن عباس خلافه-كماسيأتي قريباً- وعلى تقدير الصحة فالمرفوع منه ورد بصيغة الأمر الدالة على الوجوب، وأما نفي الوجوب فهو موقوف لأنه من استنباط ابن عباس). وكذلك حسنه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٦٢.
596 · ص602 · ج1
وهذا يدل على أن الأمر بالغسل من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن للوجوب عليهم، بل إنما كان لعلة ثم ذهبت تلك العلة، فذهب الغسل ١. ثالثاً: عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ جاء رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شُغلت فلم انقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على أن توضأت. فقال: والوضوءُ أيضاً وقد علمت «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يأمر بالغسل» ٢. رابعاً: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان، فعرّض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت، ثم أقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضاً، ألم تسمعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
١ انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١١٧. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٧٤، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة، ح (٨٧٨)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٤٤٨، كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة، ح (٨٤٥) (٣).