1217 · ص430 · ج1
المبحث الخامس اشتراط تعيين الموقوف
المقصود بالتعيين هنا تشخيص الموقوف بتعيينه تعيينًا يرفع النزاع والخصام، ولا يترك مجالًا للإبهام، فالموقوف هنا ضمن أملاك معلومة محددة غير مجهولة.
أولًا: وقف العقار المعين من غير تحديد:
إذا وقف شخص عقارًا معينًا ولم يبين حدوده؛ فوقفه صحيح، باتفاق فقهاء المذاهب الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة ١، وهو قول للإباضية ٢ إذا كان الموقوف مشهورًا متميزًا بحيث يؤمن أن يلتبس بغيره.
ويدل لهذا ما يأتي:
١ - ما روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب ماله إليه بيرحاء، مستقبلة المسجد، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ٣؛ قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أمرك الله، فقال: "بخ، ذلك مال رابح" ٤.
وجه الدلالة: أن أبا طلحة - رضي الله عنه - لم يبين حدود أرضية التي تصدق بها لشهرتها، وأقرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقته، وقبلها منه، وقد ترجم البخاري على هذا الحديث: "باب إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود فهو جائز، وكذلك الصدقة" ٥، قال ابن حجر: "كذا أطلق الجواز، وهو محمول على ما إذا كان الموقوف أو المتصدق به مشهورًا متميزًا بحيث يؤمّن أن يلتبس بغيره، وإلا فلا بدَّ من التحديد اتفاقًا" ٦.
١ انظر: أحكام الأوقاف، الخصاف ص ٢٣٧، والبحر الرائق، ابن نجيم، ٥/ ٢١٧، ورد المحتار على الدر المختار، ابن عابدين، ٤/ ٣٦١، والإنصاف، المرداوي، ١٦/ ٣٧٥.
٢ انظر: جوابات السالمي، السالمي، ٣/ ٤٢٢.
٣ سورة آل عمران، آية ٩٢.
٤ صحيح البخاري، ١٤٦١ و ٢٧٦٩، وصحيح مسلم، ٩٩٨.
٥ صحيح البخاري، ٤/ ١١.
٦ فتح الباري، ابن حجر، ٥/ ٤٦٥.