705 · ص254 · ج1
يختلف الحكم تبعًا للموقوف عليه:
فإن كان الوقف مسجدًا؛ صبح الوقف، وبطل الشرط؛ لأن المسجد حق خالص لله تعالى، لا مجال لإبطاله لأي سبب من الأسباب ١.
وأما إذا كان الوقف غير المسجد؛ كالفقراء والمساكين، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب الحنابلة، والشافعية في الأصح، ومحمد بن الحسن ٢ وهلال الرأي والخصاف من الحنفية، وهو المفتي به في المذهب الحنفي، والإمامية إلى أن الوقف يبطل مطلقًا؛ أي يبطل الوقف، وشرط الخيار، جاء في كتاب الوقوف للخلال الحنبلي: قال الكرماني: قلت لأحمد: الوقف الذي لا يجوز أيما هو؟ قال: أن يوقف ويقول: إن شاء رجع، وإن شاء نقض؛ فهذا ليس وقفًا، وهذا لا يجوز ٣.
وقال هلال الرأي الحنفي: أرأيت رجلًا يقف أرضًا له على وجوه سماها، وعلى أنه بالخيار في إبطال أصل الوقف متى ما بدا له؟ قال: الوقف باطل، لا يجوز ٤.
وقال الخطيب الشربيني الشافعي: (ولو وقف بشرط الخيار) لنفسه في إبقاء وقفه والرجوع فيه متى شاء، ويخرج من شاء، أو شرطه لغيره، أو شرط عوده إليه بوجه ما؛ كأن شرط أن يبيعه، أو شرط أن يدخل من شاء، ويخرج من شاء .. بطل على
١ انظر: رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)، محمد أمين الدمشقي الحنفي المعروف بابن عابدين، ٤/ ٣٤٢.
٢ انظر: المبسوط، شمس الأئمة محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، ١٢/ ٤٢.
٣ انظر: الوقوف والترجل من الجامع لمسائل الإمام أحمد بن حنبل، أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخَلَّال البغدادي الحنبلي، ٤٢، ومغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام، يوسف بن عبد الهادي، ١٥٠، وكشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ٤/ ٢٥١.
٤ انظر: أحكام الوقف، هلال بن يحيى بن مسلم الرأي، ٨٤.
706 · ص254 · ج2
القول الثاني: لفظ إخوتي يشمل الذكور فقط: وهو ظاهر الرواية الثانية عن الشافعية إذ جاء عنهم: لو قال الواقف: "وقفت على إخوتي"، فهو للذكور، ولا يدخل الإناث، ولو قال: "وأخواتي" بعكسه؛ فإن جمعهما دخل الخنثى" ١.
القول الثالث: شمول لفظ الإخوة لجميع أصناف "الإخوة" مطلقًا:
فإن قال الواقف: وقفت على إخوتي: جاء في الرواية المنقولة عن بعض المالكية كابن شعبان وابن عرفة ٢، وظاهر الرواية عن الإباضية ٣، والزيدية ٤ أن لفظه ينصرف بعمومه لجميع إخوته فيشمل الأشقاء ولأب والأم؛ ذكورهم وإناثَهم إلا أن يخصص جنس دون آخر، فقال صاحب الجواهر مؤيدًا مقتضى اللفظ: دخل الذكور والإناث من أي جهة كانوا؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} ٥.
وهو ظاهر الرواية عن الشافعية ٦ ما لم يقيده الواقف بترتيب؛ كقوله: على إخوتي الأقرب فالأقرب، فيكون الشقيق أولًا ثم لأب ثم لأم، ولا يستحق الثاني والثالث إلا بانعدام الأول وهكذا.
القول الرابع: عدم شمول لفظ "الإخوة" الإخوة لأم:
وهو قول: ابن رشد من المالكية ٧، وظاهر المنقول عن الإمامية ٨ شمول لفظ الإخوة للذكر والأنثى القريب والبعيد إلا أن يخصص الواقف صنفا دون آخر.
١ حاشيتا قليوبي وعميرة، أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة، دار الفكر - بيروت، ط، ١٤١٥ هـ/١٩٩٥ م، ٣/ ١٠٦.
٢ انظر: أحكام الوقف، يحيى الحطاب، ١٤٣ - ١٤٥.
٣ انظر مسألة الوصية للإخوة فيقاس عليها غيرها، شرح النيل، اطفيش، ١٢/ ٤٠١ - ٤٠٢.
٤ انظر: الاستعمال الاصطلاحي للفظ في كتاب المواريث، تتمة الروض النضير، الصنعاني، ٤/ ٣١ و ٤/ ٣٩.
٥ جامع الأمهات ابن الحاجب، ٤٥١، والذخيرة، القرافي، ٦/ ٣٥٨.
٦ انظر: فتاوي السبكي، السبكي، ٢/ ١٥.
٧ انظر: يحيى الحطاب، أحكام الوقف، ١٤١.
٨ انظر: تحرير الأحكام، الحلي، ٣/ ٣٠٩.