369 · ص367 · ج1
المسألة الثانية: أدلة القائلين بجواز الصور المجسمة لذي النفس: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١/ قوله تعالى عن سليمان: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} ١، وقوله عن عيسى: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} ٢.
وجه الاستدلال:
- أن الله أخبر أن الجن يعملون التماثيل لسليمان -عليه السلام-، و أخبر عن صنع عيسى -عليه السلام- لتمثال الطير، في سياق الامتنان وعدم الإنكار مما يدل على الجواز ٣.
ونوقش هذا الاستدلال بأمور:
- بعدم التسليم، بأنه كان من التصوير المحرم، فيقال في تماثيل سليمان: (إن التماثيل كانت على صورة النقوش لغير ذوات الأرواح، وإذا كان اللفظ محتملاً لم يتعين الحمل على المعنى المشكل) ٤.
- وأما عيسى -عليه السلام- فإن الذي أجراه الله على يده ليس تصويراً فحسب بل هو خلق حقيقي ٥، وهو من المعجزات التي لا يمكن القيام بمثلها فلا يتعلق بها تكليف.
- وعلى فرض التسليم، بأنها من الصور المحرمة فإن ما ذكر من
١ من الآية (١٣) من سورة سبأ.
٢ من الآية (٤٩) من سورة آل عمران.
٣ قال النحاس في إعراب القرآن (٣/ ٢٣٠): (قال قوم: عمل الصور جائز لهذه الآية ولما أخبر الله جلّ وعزّ عن المسيح -صلى الله عليه وسلم-، وحكى هذا القول مكي في الهداية إلى بلوغ النهاية (٩/ ٥٨٩٧)، والقرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٧٢)، وغيرهم دون نسبة لأحد.
٤ فتح الباري (١٠/ ٣٨٢).
٥ انظر: البحر المحيط في التفسير (٤/ ٤٠٦).