← المكتبة ▭ صفحة واحدة
منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة
راشد بن حمود الثنيان التفسير
A− A+
37 · ص202
أن المراد به في الآية: الاجتهاد في أمور الدين، ولهذا استدل بها المفسرون على صحة الإجماع وحجيته. قال الجصاص: (فدل على صحة إجماع الأمة لإلحاقه الوعيد بمن اتبع غير سبيلهم) ١. وقال السمرقندي: (وفي الآية دليل أن الإجماع حجة؛ لأن من خالف الإجماع فقد خالف سبيل المؤمنين) ٢. ويتفرع عن هذه المسألة: تحريم مخالفة ما اجتمعت عليه هذه الأمة فيما عُلم اتفاقهم عليه تحقيقاً، فقد ضُمِنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، وهذا الحكم ظاهر من الوعيد المنصوص عليه في الآية: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)} [النساء:١١٥] ٣. المسألة الثالثة: أن المراد بالمؤمنين في الآية: العلماء، ولم أجد أحداً من المفسرين خص المؤمنين بالعلماء، ولكن يظهر أن هذا التخصيص قد انبنى على ما قبله وهو: أن المراد بسبيل المؤمنين اجتهادهم ولا يكون الاجتهاد إلا للعلماء، ويؤكد هذا ما استدل به من أن العوام والجهال لا سبيل لهم يُتبع، وهو كما قال، والله تعالى أعلم. قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)} [النساء:١٥٧]. ٤٠/ ١٨ - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ}، بمعنى: لكن اتباع الظن اهـ) ٤.
١ أحكام القرآن ٢/ ٣٥٣، وينظر: الكشاف ١/ ٥٩٨، تفسير النسفي ١/ ٢٥١. ٢ تفسير السمرقندي ١/ ٣٦٣. ٣ ينظر: تفسير ابن كثير ٣/ ١٠١٨، تفسير البيضاوي ٢/ ٢٥٣. ٤ الواضح ٣/ ٤٨٧.
38 · ص204
قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)} [النساء:١٦٠ - ١٦١]. ٤١/ ١٩ - قال ابن عقيل: (فأخبر سبحانه وتعالى أنه يحرم المباحات في زمان النبوات عقوبة على أكل المحرمات، والآن، فلم يبق طريق للنسخ فيحرم عليك، لكن احذر لا يحرِمك، فإنه كما يمنع بالتحريم منعاً شرعياً، يمنع بالفقر تارة، مع وجود المشتهيات وتعذر الأثمان، وتارة يوجد المال، ثم يسلط على الأبدان أنواع الأمراض المانعة من تأتي الأثمان ١ وإباحة الشرائع ٢، هذا من بعض عقوباته العاجلة اهـ) ٣. الدراسة: تناول ابن عقيل في هذه الآية مسألتين: المسألة الأولى: أن سبب تحريم المباحات شرعاً على الأمم السابقة هو أكلهم المحرمات، وهذا سنة من سنن الله في كونه، كما قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)} [إبراهيم:٧]، وقد أشار المفسرون من السلف والخلف إلى هذا السبب عند هذه الآية وغيرها في كتاب الله تعالى.
١ أي: أن المرض يمنع التكسب في البيع والشراء وطلب المال، فلا تتيسر له الأثمان مثلما كان قبل المرض. ٢ أي: أنه يحرم عليهم ما كان مباحاً في الشريعة بسبب ظلمهم ومعاصيهم. ٣ الفنون ١/ ٤٠٩.