← المكتبة ▭ صفحة واحدة
منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة
راشد بن حمود الثنيان التفسير
A− A+
59 · ص265
٦٢/ ٢ - قال ابن عقيل: ({فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ}؛ لأن الجبهة تنزوي بالتعبيس في وجه الفقير، والجنب يلوى به عن الفقير، والظهر يُستدبر به الفقير، ولكل عضو من هجران الحقوق حظ؛ فله من الوعيد مثله اهـ) ١. الدراسة: جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف .. "الحديث ٢. وقد التمس العلماء الحكمة من تخصيص هذه الأعضاء، ومن ذلك ما ذكره ابن عقيل في كلامه السابق، وهو من ألطفها، فالجزاء من جنس العمل. قال الزمخشري: (فإن قلت: لم خصت هذه الأعضاء؟ قلت: لأنهم لم يطلبوا بأموالهم - حيث لم ينفقوها في سبيل الله - إلا الأغراض الدنيوية، ومن وجاهة عند الناس وتقدم، وأن يكون ماء وجوههم مصوناً عندهم، يُتلقون بالجميل، ويُحَيون بالإكرام، ويُبجلون ويُحتَشمون، ومن أكل طيباتٍ يتضلعون منها وينفخون جنوبهم، ومن لبس ناعمةٍ من الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم لا يُخطِرون ببالهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ذهب أهل الدثور بالأجور " ٣.
١ الفنون ٢/ ٤٧٨. ٢ أخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة (٩٨٧). ٣ أخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (١٠٠٦) من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -.
60 · ص266
وقيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازْوَرُّوا عنه ١، وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم. وقيل: معناه يكون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم) ٢. وقال ابن عاشور: (والمعنى: تعميم جهات الأجساد بالكي، فإن تلك الجهات متفاوتة ومختلفة في الإحساس بألم الكي، فيحصل مع تعميم الكي إذاقة لأصناف من الآلام، وسُلك في التعبير عن التعميم مسلكُ الإطناب بالتعداد لاستحضار حالة ذلك العقاب الأليم، تهويلاً لشأنه، فلذلك لم يقل: فتكوى بها أجسادهم) ٣. والله أعلم. قال تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)} [التوبة:٤٦]. ٦٣/ ٣ - قال ابن عقيل: (قال الله في حق قوم: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)} [التوبة:٤٦]، وأبان علة الكراهة، فقال: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)} [التوبة:٤٧]، فأبان علة عاقبتهم وتثبيطهم عن الخروج لمصلحة جيش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أراد بجيشه الأصلح اهـ) ٤.
١ الازورار عن الشيء: العدول عنه، ينظر: لسان العرب ٤/ ٣٣٥. ٢ الكشاف ٢/ ٢٥٦، وينظر في هذه المسألة: تفسير البيضاوي ٣/ ١٤٣، التفسير الكبير ١٦/ ٣٩، تفسير الثعالبي ٢/ ١٢٨، روح المعاني ١٠/ ٨٨. ٣ التحرير والتنوير ٦/ ١٧٩. ٤ الواضح ٣/ ٢١٥.