19 · ص152
٢١/ ٣ - قال ابن عقيل: (نبه بأداء القنطار على أداء الدينار، ونبه بنفي الدينار على نفي أداء القنطار اهـ) ١.
الدراسة:
أشار ابن عقيل في كلامه حول هذه الآية إلى مسألة التنبيه والأولى، فإثبات الأمانة على الأعلى دلالة على الأمانة على الأدنى، ونفيها على الأدنى دلالة على نفيها على الأعلى.
قال ابن عقيل: (وهذا مما لا خلاف فيه بين جمهور أهل العلم إلا ما شذ عن بعض أهل الظاهر) ٢.
وفي القرآن نهى الله عن التأفيف في حق الأبوين، ونبه بذلك على ما هو أكثر منه من الأذايا، وقوله تعالى: {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)} [النساء:٧٧]، فذكر القليل تنبيهاً على الكثير.
وأمثلة هذا في السنة كثير منها: نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التضحية بالعوراء ٣، تنبيهاً على النهي عن التضحية بالعمياء.
ومما يؤيد هذا القول:
١ ينظر: الواضح ٢/ ٤٢، ٣/ ٢٥٨.
٢ الواضح ٣/ ٢٥٨، وينظر: الإحكام للآمدي ٣/ ٦٧، شرح الكوكب المنير ٣/ ٤٨٣، البحر المحيط للزركشي ٥/ ١٤٧، الفصول في الأصول ١/ ٢٩٠، المحلى لابن حزم ١١/ ٢٦٥.
٣ كما في حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أربع لا يجزن: العوراء البين عورها .. " الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الأضاحي باب ما لا يجوز من الأضاحي (١٤٩٧) والنسائي في كتاب الضحايا باب ما نهى عنه من الأضاحي العوراء (٤٣٦٩) ٧/ ١٥٣، وقال أحمد ما أحسنه من حديث وصححه ابن حبان ١٣/ ٢٤٠ والحاكم ٤/ ٢٥١ وذكر له شواهد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح ٤/ ٧٣.
20 · ص154
وقال الثعالبي ١: (وعدم تأدية ما فوق الدينار من قوله تعالى: {بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران:٧٥]، وهو من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، والأعلى على الأدنى؛ فلذلك كان الحكم في المسكوت أولى، وإنما يكون ذلك إذا عرف المقصود من الحكم، وانه أشد مناسبة في المسكوت) ٢.
وبعد هذا فقد ظهر لي أن الصواب ما ذهب إليه جمهور العلماء لقوة الأدلة الدالة على صحة قولهم ووضوحها. والله تعالى أعلم.
قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)} [آل عمران:١٥٩].
٢٢/ ٤ - قال ابن عقيل: ({وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} والمشاورة لا تكون في الوحي، ولا فيما يرد من الله سبحانه، فلم يبق إلا فيما يحكم فيه من طريق الاجتهاد اهـ) ٣.
الدراسة:
فسر ابن عقيل المشاورة في الآية من خلال إخراجه ما لا يدخل فيها أنها في كل ما يحكم فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق الاجتهاد، فمحل البحث إذن: هل يدخل في الشورى كل اجتهاداته - صلى الله عليه وسلم - أو لا؟.
فأقول: اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخلو من حالين:
١ هو أبو زيد عبدالرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي الجزائري المالكي اختصر تفسير ابن عطية في جزأين وصنف التفسير المسمى بالجواهر الحسان في تفسير القرآن، مات سنة ٨٧٥ هـ، له ترجمة في: طبقات الأدنه وي ص ٣٤٢.
٢ تفسير الثعالبي ٣/ ٤٦٢.
٣ الواضح ٥/ ٣٩٨.