2308 · ص548 · ج3
وقد قسّم بعضهم ١ الصُّوفيّة أربعة أقسامٍ: أصحاب السّوابق، وأصحاب العواقب، وأصحاب الوقت، وأصحاب الحقِّ. قال:
فأمّا أصحاب السّوابق: فقلوبهم أبدًا فيما سبق لهم من الله سبحانه، لعلمهم أنّ الحكم الأزليّ لا يتغيّر باكتساب العبد. ويقولون: من أقْصَتْه السّوابقُ لم تُدْنِه الوسائل. ففكرهم ٢ في هذا أبدًا، ومع ذلك فهم مُجِدُّون في القيام بالأوامر، واجتناب النّواهي، والتّقرُّب إلى الله بأنواع القرب، غير واثقين بها، ولا ملتفتين إليها. يقول قائلهم ٣:
من أين أُرضِيكَ إلّا أن تُوفِّقني ... هيهاتَ هيهاتَ ما التّوفيقُ من قِبَلِي
إن لم يكن ليَ في المقدور سابقةٌ ... فليس ينفعُ ما قدَّمتُ من عملي
وأمّا أصحاب العواقب: فهم مفكّرون ٤ فيما يُختَم به أمرهم، فإنّ الأمور بأواخرها، والأعمال بخواتيمها، والعاقبة مستورةٌ، كما قيل: لا يَغُرّنَّك صَفاءُ الأوقات، فإنّ تحتها غوامضَ الآفات ٥. فكم من ربيعٍ نوَّرتْ أشجاره، وظهرتْ أزهاره، وزَهَتْ ثماره، لم يلبث أن أصابته جائحةٌ سماويّةٌ، فصار كما قال الله عزّ وجلّ: {وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا
١ لم أعرف مَن هو.
٢ ت: «فقلوبهم».
٣ البيت الأول منهما ضمن أبيات في «التكملة» لابن الأبار (٣/ ١٨٤، ١٨٥)، ونُسبت لابن عصام وليست له.
٤ ر: «متفكرون».
٥ قاله أبو الحسن الحصري الصوفي، كما في «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٤٠)، و «تاريخ الإسلام» (٨/ ٣٦٢)، و «طبقات الأولياء» لابن الملقن (ص ٢١٣).