2533 · ص38 · ج2
فكان أوّلَ من أنشب الحرب بينهم أبو عامر الفاسق، طلع فى خمسين من قومه فنادى: أنا أبو عامر، فقال المسلمون: لا مرحبًا بك ولا أهلًا، يا فاسق! قال: لقد أصاب قومى بعدى شرّ، ومعه عَبيدُ قريش، فتراموا بالحجارة هم والمسلمون حتى ولّى أبو عامر وأصحابه، وجعل نساء المشركين يضربن بالأكبار والدّفوف والغرابيل ١ ويحرّضن ويذكّرنهم قَتلَى بدر ويقلن:
نَحنُ بنَاتُ طارِقْ ... نَمشى عَلى النّمَارِقْ
إنْ تُقبِلُوا نُعانِقْ ... أوْ تُدْبِروا نُفارِقْ
فِرَاقَ غَيرِ وامِقْ ٢
قال: ودنا القوم بعضهم من بعض والرّماة يَرْشُقون خيل المشركين بالنبل فَتُوَلِّى هوارب ٣، فصاح طلحة بن أبى طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فبرز له علىّ بن أبى طالب، رضى اللَّه عنه، فالتقيا بين الصفّين فبدره علىّ فضربه على رأسه حتّى فلق هامتَه فوقع، وهو كبش الكتيبة، فسُرّ رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم-، بذلك وأظهر التكبير، وكبّر المسلمون وشدّوا على كتائب المشركين يضربونهم حتّى نَغَضَت ٤ صفوفُهم، ثم حمل لواءَهم عثمان بن أبى طلحة أبو شيبة وهو أمَامَ النسوة يرتجز ويقول:
إنّ عَلَى أهلِ اللّواءِ حقّا ... أنْ تُخضَبَ الصّعدَةُ أوْ تَنْدَقَّا ٥
وحمل عليه حمزة بن عبد المطّلب، فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكَتِفَه حتى انتهى إلى مُؤتَزَرِهِ وبدا سَحرُه ٦، ثمّ رجع وهو يقول: أنا ابن ساقى الحَجِيج، ثمّ حمله أبو سعد بن أبى طلحة فرماه سعد بن أبى وقّاص فأصاب حَنجَرَتَه فأدلع ٧ لسانَه إدْلاعَ الكلب فقتله، ثمّ حمله مُسافِع بن طلحة بن أبى
١ الكَبَر: الطبل ذو الوجه الواحد. والغرابيل: جمع غربال. وهو الدف (النهاية).
٢ الواقدى ج ١ ص ٢٢٥، والنويرى ج ١٧ ص ٩٠، والصالحى ج ٤ ص ٢٨٤.
٣ ل "هوازن" والمثبت رواية م، ومثلها لدى النويرى ج ١٧ ص ٩١.
٤ النغض: التحريك والاضطراب.
٥ أورده النويرى ج ١٧ ص ٩١ نقلا عن ابن سعد.
٦ السحر: الرئة.
٧ أدلع: أخرج.