817 · ص415 · ج2
خلق الإنسان من تراب، ثم جعل نسله من ماء مهين، ثم جعله طينا ثم صلصالا ثم حمأ مسنونا، أي: منتنا. {الْجَانَّ} أبو الجن. وقيل: إبليس، والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان له. وقيل: المختلط بسواد النار؛ من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط، ومعنى قوله:
{مِنْ نارٍ} بيان المارج؛ كأنه قيل: من صاف من نار أو مختلط من نار؛ أراد: من نار مخصوصة. {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متساويين في مرأى العين. {بَيْنَهُما بَرْزَخٌ} حاجز من قدرة الله تعالى {لا يَبْغِيانِ} لا يتجاوزان حديهما، ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة.
{فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)}
و {وَالْمَرْجانُ} هذا الخرز الأحمر وهو البسذ ١. وقيل: اللؤلؤ كباره، والمرجان صغار اللؤلؤ ٢.
وقال: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا} مع أنه لا يخرج إلا من الملح خاصة؛ لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يعبر عنهما بالتثنية والإفراد؛ كما تقول: أخرجت الشيء من البحر، وأنت لا تخرجه من جميع البحر؛ بل من بعضه، وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلة منه؛ بل من دار واحدة من دوره. وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب.
الجوار السافن، و {الْمُنْشَآتُ} المرفوعات الشّرع و {كَالْأَعْلامِ} الجبال. {كُلُّ مَنْ عَلَيْها} أي:
على الأرض. {وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ} أي: ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات ٣. ومساكين مكة تقول: أين وجه عربي كريم ينقذني من الهوان؛ أي: من الجوع. {ذُو الْجَلالِ} الذي يجله
١ رواه الطبري في تفسيره (٢٧/ ١٣١) عن كعب الأحبار. والبسذ: ليس بعربي، وهو المرجان: جوهر أحمر. قال ابن بري: والذي عليه الجمهور أنه صغار اللؤلؤ كما ذكره الجوهري. ينظر: لسان العرب (بسذ).
٢ رواه الطبري في تفسيره (٢٧/ ١٣١) عن عكرمة.
٣ تقدم الكلام غير مرة أن عقيدة السلف الصالح من أهل السنة والجماعة هي إمرار آيات الصفات الواردة في القرآن الكريم، وكذلك ما صح من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم على ظاهرها من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف، ونؤمن بها على ظاهرها في إطار قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.