813 · ص413 · ج2
تفسير سورة الرحمن [مدنية] (٢٨٤ /أ)
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}
{الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧)}
بدأ سبحانه بتحديد نعمائه على العالمين، فبدأ بنعمة الدين، وبدأ من نعم الدين بما هو في أعلى مراتبها وأشرف مناصبها وهو تعليم القرآن، وهو من أعظم حرمات الله، وهو الحبل المتين، والصراط المستقيم، ثم ثنى بنعمة إيجاد الإنسان، وما خلق فيه من عجائب التربيب وحسن النظم والترتيب، وما وهبه له من المنن والمصالح فقال: {خَلَقَ الْإِنْسانَ} {خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ} وفي {الْبَيانَ} قولان: قيل: هو النطق. وقيل: هو الكتابة؛ كقوله:
{عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ} ١ وقوله: {الرَّحْمنُ} مبتدأ، وهذه الأفعال المعطوفة أخبار، ولم يأت بينها بعاطف؛ لأنه جعلها كالجملة الواحدة؛ تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، جبرك بعد كسر، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد؛ فأي شيء تشكر من إنعامه؟!
{بِحُسْبانٍ} يجريان بحسبان معلوم؛ يجريان في بروجهما ومنازلهما، وفي ذلك منافع للناس عظيمة منها: علم السنين؛ لقوله عز وجل عن القمر: {وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ} ٢ ومنها إنضاج الفواكه ويبس الحبوب المزروعة.
و {وَالنَّجْمُ} النبات الذي ليس له ساق يبقى سنة ثانية، و {وَالشَّجَرُ} كل ما له ساق ويبقى إلى سنة ثالثة وأصله قائم. وسجودهما: انقيادهما لما خلق الإنسان من أجله تشبيها بالمكلفين في انقيادهم بالسجود لله تعالى، والضمائر العائدة في الأخبار إلى {الرَّحْمنُ} استغني عنها بقوة الكلام، والتقدير: يجريان بحسبانه {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ} له.
وقيل: {عَلَّمَ الْقُرْآنَ} جعله آية وعلامة على صدق الرسول. وقيل: {الْإِنْسانَ} آدم.
وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم. وعن مجاهد: {وَالنَّجْمُ} نجوم السماء ٣. {وَالسَّماءَ رَفَعَها} خلقها
١ سورة العلق، الآية (٥، ٤).
٢ سورة يونس، الآية (٥).
٣ ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٠٠).