← المكتبة ▭ صفحة واحدة
مدارج السالكين - ط عطاءات العلم
ابن القيم الرقائق والآداب والأذكار 751 هـ
A− A+
1663 · ص387 · ج2
وقال بعضهم: التوكُّل التعلُّق بالله في كلِّ حالٍ ١. وقيل: التوكُّل أن تَرِد عليك موارد الفاقات، فلا تسمو إلَّا إلى من إليه الكفايات ٢. وقيل: نفي الشُّكوك والتفويض إلى مالك الملوك. وقال ذو النُّون - رحمه الله -: خلع الأرباب وقطع الأسباب ٣؛ يريد قطعها من تعلُّق القلب بها، لا من ملابسة الجوارح لها. ومنهم من جعله مركَّبًا من أمرين أو أمورٍ. فقال أبو سعيدٍ الخرَّاز ــ رحمة الله عليه ــ: التوكُّل اضطرابٌ بلا سكونٍ وسكونٌ بلا اضطرابٍ ٤. يريد: حركةَ ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن، وسكونًا إلى المسبِّب وركونًا إليه، فلا يضطرب قلبه معه، ولا تسكن ٥ حركته في الأسباب الموصلة إلى رضاه. وقال أبو ترابٍ النَّخشبيُّ: هو طرح البدن في العبوديَّة، وتعلُّق القلب
١ ذكره القشيري (ص ٤١٢) عن أبي عبد الله القُرَشي. ٢ انظر: «القشيرية» (ص ٤١٦). ٣ أسنده السلمي في «تفسيره» (١/ ١٧٥) وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣٨٠) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٢٣٣) والقشيري (ص ٤١٢). ٤ «القشيرية» (ص ٤١٣). وأسنده السُّلمي في «تفسيره» (٢/ ١١٩). ولعل أبا سعيد أخذ ذلك عن بشرٍ الحافي (وكان قد صحبه)، فإن أبا نعيم أسنده في «الحلية» (٨/ ٣٥١) من قول بشر. ٥ ش: «تستكن».
1664 · ص387 · ج3
وهذا أيضًا هو العدل المذكور في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: ١]، أي يعدلون به غيرَه في العبادة التي هي المحبّة والتّعظيم. وهذا أصحُّ القولين ١. وقيل: الباء بمعنى «عن»، والمعنى: ثمّ الذين كفروا بربهم يعدلون إلى عبادة غيره. وهذا ليس بقويٍّ، إذ لا تقول العرب: عدلتُ بكذا أي عدلتُ عنه، وإنّما جاء هذا في فعل السُّؤال، نحو: سألتُ بكذا أي عنه، كأنّهم ضمَّنوه: اعتنيتُ به واهتممتُ ونحو ذلك. وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: ٣١]. وهذه تُسمّى آية المحبّة. قال بعض السّلف ٢: ادّعى قومٌ محبّة الله، فأنزل الله آية المحبة {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي}. وقال: {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} إشارةً إلى دليل المحبّة وثمرتها وفائدتها. فدليلها وعلامتها: اتِّباع الرّسول - صلى الله عليه وسلم -. وفائدتها وثمرتها: محبّة المرسل لكم. فما لم تحصل المتابعة فلا محبّتكم له حاصلةٌ، ومحبّته لكم منتفيةٌ. وقال تعالى: {(٥٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: ٥٤]. ذكر لهم أربع علاماتٍ:
١ انظر: «تفسير البغوي» (٢/ ٨٤). ٢ انظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٣٢٥)، وابن أبي حاتم (٢/ ٦٣٣)، و «الدر المنثور» (٣/ ٥٠٨، ٥٠٩).
→ السابق 1663–1664 / 2526 التالي ←