993 · ص245 · ج2
{فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} معناه عند من أوجب الجزاء على من قتل الصَّيد متعمِّداً: ضَرْبٌ وَجيعٌ. وعند من لم ير الجزاء إلَّا على المخطئ، أو الناسي لإحرامه المتعمِّد للصَّيد: عذابٌ أليمٌ في الآخرة. وقيل: الاعتداء المعاودة، ومن عاد فقتل الصَّيد ثانيةً، لم يكن عليه جزاءٌ، واستوجب النقمة بقوله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: ٩٥] وهو العذاب في هذه الآية، ذهب إلى هذا جماعةٌ من العُلماء.
وأمَّا صيد أهل الكتاب فهو على مذهب مالك -رحمه الله- حَرامٌ لا يُؤكَلُ منه إلَّا ما أدركوا ذكاته، فذَكَّوه بما يُذَكَّى به الإنسي.
ودليله على ذلك: توجُّه الخِطاب في إباحة الصِّيد إلى المسلمين دون الكُفَّار، في جميع آي القرآن.
وذهب جماعة من أهل العِلْم إلى إباحة الصِّيد؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: ٥]، وهو قول أَشْهَب وابن وَهْب وعلي بن زياد من أصحاب مالك، وإيَّاه اختار سُحْنون.
وكَرِهَه جماعةٌ من أهل العِلْم؛ منهم: ابن حَبيب. والكراهة من ذلك على مذهب من أجازه، بيِّنةٌ؛ لوجهين:
أحدهما: مراعاة الخلاف لقول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ؛ فَمَنِ اتَّقَى المُشْتَبِهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ... ) الحديث.
والثاني: أنَّ الصَّيد له حدودٌ تَلْزَم معرفتُها، فإذا كان صيدُ الجاهل بها الذي لا يَرِعُ عن توقِّي ما يلزمه أنْ يتوقَّاه في صيده مكروهاً؛ فالذمِّيُّ أحرى أنْ يُكرَهَ صَيدُه.
ومن يُجيزُ صيدَ أهل الكتاب لا يَشترِط في جواز ذلك التَّسْمية؛ إذ لا تصحُّ التَّسْمية منهم.
وقول الله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: ١٢١]؛ قيل: المراد بذلك التَّذْكية لا التَّسْمية،
994 · ص246 · ج1
فإنَّه يدلُّ أنَّه لا يُنْتَفَعُ منها بشيءٍ. وقد دفع ما قيل فيه من الاضطراب أو الانقطاع؟ وعلى فَرْضٍ فمعناه صحيحٌ نَطَقَ به القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا} [الأنعام: ١٤٥].
والظاهرُ مِنْ معنَى الرِّجْسِيَّةِ تحريمُ الانتفاعِ، لا الأكلُ فقط؛ لما وقع في البخاريِّ وغيِره من حديث جابرٍ أنَّه لمَّا قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ: (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزيرِ وَالأَصْنَامِ)، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله؛ أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ؛ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: (لَا، هُوَ حَرَامٌ)، ثُمَّ قَالَ: (قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ؛ إِنَّ اللهَ لمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ).
ولحديث أبي هريرة سُئِلَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم عَنْ سَمْنٍ وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ؟ فَقَالَ: (أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَها وَكُلُوا سَمْنَكُمْ)، وهو في البخاريِّ وغيرِه.
ولحديث مَيْمُونةَ: (إِذَا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ في السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِداً فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَها، وَإِنْ كَانَ مَائِعاً فَلَا تَقْرَبُوهُ) أخرجه أبو داود والنسائي؛ فإنَّها صريحةٌ في حُرْمَةِ الانتفاع، وعلى ذِكْرِ الآية الكريمة؛ فإنَّه يُشْكِلُ فائدةُ التَّنْصيص عَلَى لحم الخِنْزير؛ فإنَّه لم يظهر له فائدة، ولم أرَ من نَبَّهَ عليه بعد البحث. فالإفادة من حسناتكم مطلوبة. انتهى السؤال.
الجواب: أقول: الكلامُ على حديث عبد الله بن عُكَيْمٍ إِعْلالًا، واضطراباً، وتحسيناً، وتصحيحاً قد اسْتَوْفَيتُه في شَرْحِي على (المنتقى)، وهو من كتب السائل-كثَّر الله فوائده- فلا نُطَوِّلُ البحثَ بالكلام عليه، فإنَّ سؤال السائل إنَّما يتعلَّق بكيفيَّة الجَمْع بين الحديثين، ثمَّ ذِكْرِ ما رَجَّحَ به أحد طرفي البحث في