626 · ص320 · ج1
{الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ} فخرجوا، فلما لاقوا المسلمين رأى إبليس جبريل قد نزل من السماء لينصر المؤمنين فخاف على نفسه أن يقتله جبريل، ففر فقيل له: أين تذهب يا سراقة؟ فقال: {إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ} فاشتهر بين كفار قريش أنه لم يهزم الناس إلا سراقة بن مالك فلما رجعوا اجتمعوا بسراقة وعتبوه، فقال:
والله ما كنت هناك حتى أنهزم ١. {إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ} وقت اللقاء {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ} إذا أقبلوا. {وَأَدْبارَهُمْ} إذا ولوا، ولم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وكانوا ينزلون في غيرها، مددا ولطمأنينة القلوب.
{كَدَأْبِ} كعادة، أي: عادة هؤلاء منازعة الأنبياء كعادة {آلِ فِرْعَوْنَ} {وَهُمْ لا يَتَّقُونَ} الله وأخذه ونقمته. {فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ} أي: فإن تثقفهم، والثقف: الأخذ بشدة.
{فَشَرِّدْ بِهِمْ} أي: فافعل بهم فعلا يوجب فرار من حولهم. وقوله: {فَشَرِّدْ} مأخوذ من شرد البعير إذا فر. {وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً} بأمارات تدل على ذلك، فانقض عهدهم وعرفهم بذلك كي لا يكون عذرا. من قرأ {إِنَّهُمْ} بكسر، فهو استئناف كلام، ومن قرأ (أنّهم) بالفتح ٢ أي: لا تحسبهم لأجل أنهم لا يعجزون. وفي الحديث الصحيح (٦٧ /ب) أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} قال: «ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي» ٣.
قوله: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ} قيل: فارس والروم. وقيل: كفار الجن، إلا أن قوله: {لا تَعْلَمُونَهُمُ} يرد على القائلين. {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} جزاؤه.
= ملاحقة النبي صلّى الله عليه وسلم في الهجرة مشهورة ترويها كتب السير. توفي سنة ٢٤ هـ. تنظر ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (٢/ ١٩).
١ رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٨)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٧٩) ونسبه لعبد الرزاق وابن المنذر عن معمر قال: «ذكروا أنهم أقبلوا على سراقة بن مالك بعد ذلك فأنكر أن يكون شيء من ذلك».
٢ قرأ جمهور القراء أبو عمر وابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ويعقوب «إنهم»، وقرأ ابن عامر «أنهم». تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٥١٠)، الحجة لابن خالويه (ص: ١٧٢)، حجة أبي زرعة (ص: ٣١٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ٤٢٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٠٨)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٣٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٧٧).
٣ رواه مسلم رقم (١٩١٧)، وأبو داود رقم (٢٥١٤)، والترمذي (٣٠٨٣) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.