← المكتبة ▭ صفحة واحدة
تفسير القرآن العظيم - السخاوي
علم الدين السخاوي التفسير 643 هـ
A− A+
365 · ص189 · ج2
تفسير سورة الصافات [مكية] {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} {وَالصَّافّاتِ صَفًّا (١) فَالزّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤)} أقسم سبحانه بطوائف الملائكة أو بنفوسهم {وَالصَّافّاتِ} أقدامها في الصلاة؛ من قوله: {وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ} ١ أو أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله. {فَالزّاجِراتِ} السحاب سوقا. {فَالتّالِياتِ} لكتب الله المنزلة وغيرها. وقيل: {وَالصَّافّاتِ} الطير؛ لقوله: {وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ} ٢ والزاجرات: كل شيء نهى عن معصية الله. والتاليات: كل من تلا كتاب الله، ويجوز أن يراد طوائف العلماء الصافات أقدامهم في قيام الليل وأفعال الخير، وسائر الصلوات وصفوف الجماعات؛ فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله والدارسات شرائعه، أو بنفوس قواد الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر، لا يشغلها عنه شغل. والفاء الواقعة بين أنواع المقسم به إما للترتيب في الوجود؛ كقول الشاعر [من السريع]: يا ويح زيّابة للحارث ... الصالح فالغانم فالآيب ٣ فإن هذه الأمور جاءت على ترتيب الوجود، وإما لترتيبها في الفضيلة؛ كقولك: اصحب الأفضل فالأفضل، وافعل الأجمل فالأجمل. وإما على ترتيب موصوفاتها في ذلك؛ كقوله: "رحم الله المحلقين فالمقصرين" ٤.رتب التقصير على الحلق؛ فإن الحلق أفضل؛ فإذا وحدت الصفات كانت على ترتيب الصفات، وإن ثنيت أو جمعت كانت على ترتيب الموصوفات.
١ سورة الصافات، الآية (١٦٥). ٢ سورة النور، الآية (٤١). ٣ البيت لابن زيابة، ينظر في: خزانة الأدب (٥/ ١٠٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٩٤)، الدرر اللوامع (٦/ ١٦)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص: ١٤٧)، شرح شواهد المغني (ص: ٤٦٥)، الكشاف للزمخشري (١/ ٤١)، معجم الشعراء (ص: ٢٠٨)، مغني اللبيب (ص: ١٦٣). ٤ أورده بهذا اللفظ الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٤)، وابن هشام في مغني اللبيب عن كتب الأعاريب (١/ ١٦٣)، والمرادي في الجنى الداني (ص: ٦٥). وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بلفظ: "اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين، قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين، وفي الثالثة قال: والمقصرين". [رواه البخاري رقم (١٧٢٧)، ومسلم رقم (١٣٠١)].
366 · ص190 · ج1
أكرم أب، فزيد أب، وهو أكرم الآباء. وإن قلت: زيد أكرم أبا، فلزيد أب وأبوه أكرم الآباء. ففي هذه الآية كأنه حصل للخشية خشية مجازا، كقولهم: شعر شاعر، وذيل ذايل ١. {لَوْلا أَخَّرْتَنا} هلا أخرتنا. {بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} أي: عالية. وقيل: مبنية بالشيد وهو الجير {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} أي: نعمة ورخاء؛ كقوله: {وَبَلَوْناهُمْ} [الأعراف: ١٦٨] ليس المراد بالحسنة الطاعة، ولا بالسيئة المعصية {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} يتشاءمون به، ويقولون: ما أصابنا هذا السوء إلا منك حين جئتنا؛ كقول ثمود لصالح: {اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} [النمل: ٤٧]. وكقول أهل أنطاكية لأصحاب عيسى: {إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا} [يس: ١٨]. {ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٨١) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً (٨٣) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)} {ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} أي: من نعمة وعافية ورخاء {فَمِنَ اللهِ} وأنت لا تستحقه {وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ} أي: من شدة ومرض وقحط فمن نفسك أي: بذنوب أتيتها، فعوقبت عليها بذلك {وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: ٣٠] {وَمَنْ تَوَلّى} فعاقبه الله، ولست بمسؤول عنه {فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} {وَيَقُولُونَ} أمرنا {طاعَةٌ} {وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} لكنه كتاب أحكمت آياته، وما نظر المقصر من أن فيه اختلافا في بعض المواضع فهو من سوء فهم
١ ينظر تفصيل ذلك في: الدر المصون للسمين الحلبي (٣٩٧، ٢/ ٣٩٦)، الكشاف للزمخشري (١/ ٥٣٦).