1237 · ص625 · ج2
تفسير سورة العاديات [مكية]
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}
{وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥)}
أقسم بخيل الغزاة تعدو، فتضبح. والضبح: صوت أنفاسها قال عنترة [من الكامل]:
والخيل تكدح حين تضبح في حياض الموت ضبحا ١ ...
وانتصاب {ضَبْحاً} على الحال؛ أي: تعدو ضابحات أو بالعاديات. {فَالْمُورِياتِ} تورى نارا، تقدح بقدح حوافرها الحجارة. وانتصب {قَدْحاً} بما انتصب به ضبحا.
{فَالْمُغِيراتِ} تغير على العدو {صُبْحاً} {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} فهيجن بذلك العدو غبارا، والنقع:
غبار الحرب. {فَوَسَطْنَ بِهِ} أي: بذلك الوقت. {جَمْعاً} من العدو، أو: فوسطن بالغبار الجمع، أو: وسطن بمعنى: توسطن، ويجوز أن يراد بالنقع: الصياح وقيل: أثرن: مقلوب، وعن علي: إن الله أقسم بالإبل التي يحج عليها ٢.
{إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)}
{فَالْمُورِياتِ قَدْحاً} تقدح الحجارة. {فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً} من قوله عليه السلام: "أشرق ثبير كيما نغير" ٣.وقيل: الضبح لا يكون إلا للفرس والكلب والثعلب. وجمع: اسم المزدلفة،
١ ينظر البيت في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٥٠٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٥٥٧)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٧٨٦)، لسان العرب (ضبح).
٢ رواه الطبري في تفسيره (٣٠/ ٢٧٣).
٣ رواه البخاري رقم (١٧٨٤)، والترمذي رقم (٨٩٦)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه صلى ب "جمع" الصبح ثم وقف فقال: "إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون" أشرق ثبير " وإن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس". وهذا لفظ البخاري. وظاهر من هذه الرواية أن هذا من قول المشركين، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما قد توهم عبارة المصنف - رحمه الله. وقد تقدم هذا القول ونسبه المصنف إلى كلام العرب في تفسير سورة ص.
1238 · ص626 · ج1
قلت: الخلق فيه معنى التقدير فكأنه قال: قدر كل شيء، يعني: أحدث كل شيء على مقتضي الحكمة أي: أوجده غير متفاوت. وقيل: معناه فقدر له مدة لبقائه. {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} لا تقدر على جلب نفع ولا (١٤٦ /أ) دفع ضرّ ولا إيجاد مخلوق.
{وَلا يَمْلِكُونَ} إحياء ولا إماتة.
{وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥)}
{قَوْمٌ آخَرُونَ} اليهود. وقيل: عدّاس مولى حويطب بن عبد العزّى، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي قال ذلك النضر بن الحارث ١. جاء وأتى يستعملان بمعنى فعل فيعديان تعديته، ويجوز أن يكون بمعنى ورد ظلما، تقول: جئت المكان، ويجوز أن يحذف الجار، أي: جاءوا بظلم وزور، وظلمهم أن جعلوا أفصح العرب يتلقى من الرومي وقد أتاهم بكتاب أعجز العالم بفصاحته، والزور: نسبتهم إياه إلى الافتراء الذي هو بريء منه.
{أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ} أحاديث سطرها المتقدمون، كأحاديث رستم واسفنديار ٢، جمع أسطورة، كأحدوثة. {اِكْتَتَبَها} أي: استدعى كتابتها لنفسه، وقرئ (اكتتبها) على البناء للمفعول ٣ أي: كتبها له كاتب؛ لأنه كان أميّا لا يكتب {تُمْلى عَلَيْهِ} أي: تلقى عليه ليحفظها؛ لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.
وعن الحسن أنه قول الله - سبحانه - يكذبهم، وإنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة على الاستفهام في معنى الإنكار ٤ كقول الشاعر [من المنسرح]:
١ رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٨٢).
٢ من ملوك الفرس.
٣ قرأ بالبناء للمجهول طلحة بن مصرف.
تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٨٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٢٤٣)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٦١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ١١٧).
٤ قاله الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٦٤).