← المكتبة ▭ صفحة واحدة
توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي شروح الحديث
A− A+
993 · ص646 · ج3
فـ ((الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ)) ١ كما جاء في الحديث الآخر. [١٣٦٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ: أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا، وَقَالَ: الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَبْدَلَ اللهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَزَادَ في الحديث: ((وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ، إِلَّا أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ- أَوْ: ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ)). في هذا الحديث: دليل على أن المدينة لها حرمة، وأنه يحرم صيدها وقطع شجرها، إلا أن حرمتها أخف من حرمة مكة، كما سيأتي. والحرم النبوي فيه خلاف في وجوب الجزاء؛ هل يجب الجزاء بأن يكون له سَلَب، كما سيأتي في الحديث: ((مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَصِيدُ فِي حُدُودِ الْمَدِينَةِ أَوْ يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِهَا فَخُذُوا سَلَبَهُ)) ٢، أي: يؤخذ ما معه من السلاح والثياب والمركوب. وفيه: دليل على تحريم قطع الشجر، وتحريم قتل الصيد في المدينة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا))، وأن ينفر صيدها. وليس في الدنيا إلا حَرَمَانِ على الصحيح:
١ أخرجه مسلم (١٣٧٢). ٢ التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد، لابن عبد البر (٦/ ٣١٠).
994 · ص648 · ج3
مرسلة على إثر ذلك، وغيرهم ممن صنع مثل صنيعهم)). [١٣٦٤] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، جَمِيعًا عَنِ الْعَقَدِيِّ، قَالَ عبدَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أَوْ يَخْبِطُهُ فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ، فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ. في هذا الحديث: أن سعدًا رضي الله عنه لما رأى عبدًا يقطع شجرة بالسيف في المدينة ((فَسَلَبَهُ))، يعني: أخذ ما معه من السلاح، والثياب، والمركوب. وما صاده إن كان حيًّا أُطلق، وإن كان قتله فهو ميتة لا يؤكل. وقوله: ((جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ، فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ))، أي: فجاء أهل العبد إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقالوا له: أعطنا ما أخذت منه، فقَالَ: ((مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم))، يعني: كسَلَب القتيل من الكفار، فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته، وغير ذلك مما يدخل في سَلَب القتيل، ((وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ))، وجاء في حديث آخر: ((إِنْ شِئْتُمْ أنْ أعْطِيَكُمْ ثَمَنَهُ أَعْطَيْتُكُمْ)) ١، لكن هذا لا أعطيكم إياه؛ لأن هذا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا إذا لم يترتب على سلبه مفسدة، يعني: إذا رأيت من يصيد وخشيت إن أخذت ثيابه، أو سلاحه، أو مركوبه، من حصول مضرة فتدرأ المفسدة، ويرفع الدعوة للمحكمة، ويثبت أنه رآه يصيد فَيُعطى سلبه؛ لأن درء
١ أخرجه أحمد (١٤٦٠)، وأبو داود (٢٠٣٧).