894 · ص281 · ج3
غَدَتْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى مُكْفَهِرَّةً … عَبُوسًا وَقد كَانَتْ مِن البَشَرِ تَلْمَعُ
فَلَمْ يَعْرِفِ الْمَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ فِيْهِم … وَلَا خَامِلَا مِن نَابِهٍ يَتَرَفَّعُ
وَأَنَّى لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ بَعْدَمَا … تَبَيَّنَ مِنْهُمْ مَا لَهُ الْعَيْنُ تَدْمَعُ
رَأَى مَا يَسُوءُ الطَّرْفَ مِنْهُمْ وَطَالَمَا … رَأَى مَا يَسُرُّ النَّاظِرِيْنَ وَيُمْتِعُ
رَأَى أَعْظُمًا لَا تَسْتَطِيْعُ تَمَاسُكًا … تَهَافَتْ مِنْ أَوْصَالِهَا وَتَقَطَّعُ
مُجَرَّدَةً مِن لِحْمِهَا فَهِيَ عِبْرَةٌ … لِذِي فِكْرَةٍ فِيْمَا لَهُ يَتَوقَّعُ
تَخَوَّنَهَا مَرُّ اللَّيَالِي فَأَصْبَحَتْ … أَنَابِيْبَ مِنْ أَجْوَافِهَا الرِّيْحُ تُسْمَعُ
إِلَى حَالَةٍ مُسْوَدَّةٍ وَجَمَاجِمٍ … مُطَأْطَأَةٍ مِنْ ذِلّةٍ لَيْسَ تُرْفَعُ
أُزِيْلَتْ عَن الأَعْنَاقِ فَهِي نَوَاكِسٌ … عَلَى التُّرْبِ مِنْ بِعد الوَسَائِدِ تُوْضَعُ
عَلَاهَا ظَلَامٌ لِلْبِلَى وَلَطَالَمَا … غَدَا نُورُهَا فِي حِنْدِسِ الظُّلْمِ يَلْمَعُ
كَأَن لَمْ يَكُنْ يَوْمًا عَلَا مَفْرِقًا لَهَا … نَفَائِسُ تِيْجَانٍ وَدُرٍ مُرَصَّعُ
تَبَاعَدَ عَنْهُم وَحْشَةً كُلُّ وَامِقٍ … وَعَافَهُمُ الأَهْلُونَ وَالنَّاسُ أجْمَعُ
وَقَاطَعَهُمْ مَنْ كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ … بِوَصْلِهِمُ وَجدًا بِهِمْ لَيْسَ يَطْمَعُ
يُبَكِّيْهِمْ الأَعْدَاءُ مِنْ سُوءِ حَالِهِمْ … وَيَرْحَمُهُمْ مَنْ كَانَ ضِدًا وَيَجْزَعُ
فَقُلْ لِلّذِي قَدْ غَرُّهُ طُوْلُ عُمْرهِ … وَمَا قَدْ حَوَاهُ مِنْ زَخَارِفَ تَخْدَعُ
أَفِقْ وَانْظُرِ الدُّنْيَا بِعَيْنٍ بَصِيْرَةٍ … تَجِدْ كُلَّ مَا فِيْهَا وَدَائِعَ تَرْجِعُ
فأَيْنَ الْمُلُوكُ الصِّيْدُ قِدْمًا وَمَنْ حَوَى … مِنَ الأَرْضِ مَا كَانَتْ بِهِ الشَّمْسُ تَطْلَعُ
حَوَاهُ ضَرِيْحَ مِنْ فَضَاء بَسِيْطَهَا … يُقَصِرُ عَن جُثْمَانِهِ حِيْنَ يَذْرَعُ
فَكَمْ مَلَكَ أَضْحَى بِهَذَا مَذَلَّةٍ … وَقَدْ كَانَ حَيًّا للْمَهَابَةِ يُتْبَعُ
يَقُودْ عَلَى الْخَيْلِ العِتَاقِ فَوَارِسَا … يِسُدُّ بِهَا رَحْبَ الفَيَافِي وَيُتْرِعُ