1585 · ص436 · ج1
الحقُّ صفةً لهو وبَيّنٌ خبرَه، لأنَّ المضمَر لا يُوصفُ.
تَخمير: وقد تجيءُ الحالُ المؤكدةُ عن الجملةِ الفعليةِ كقوله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} قالَ الشيخُ أبو عَليّ الفارِسِيّ: والحالُ مؤكدةً، لأنَّ في ولّيتُم دلالةً على أنّهم مُدبرون. والحقُّ أن الحالَ ها هنا هي المُستَقبَلةُ، والمعنى: ثمَّ ولّيتُم مُتابِعين في التَّولِيَة، وعليهِ عِندي قولهم: قُمْ قائمًا، وهذا لأنَّ الحالَ المؤكدةَ في الحقيقةِ خبرُ ما زَال، وما زَال صلةُ الموصولِ الذي وقعَ صفةً لذي الحالِ ألا تَرى أنّ قولَك هو أَبوك عَطُوفًا، معناه: هو الذي لم يَزَلْ عطوفًا، وكذلك {هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا} معناهُ: وهو الحقُّ الذي لم يَزَلْ مُصدِّقًا، ولا يُمكنُ أن تُفسَّرَ الحالُ ها هنا هذا التَّفسير، ألا تَرى أَنَّكَ لو قلتَ: ثُمَّ ولَّيْتُم الذين لم يزالوا مُدبرين لَم يجز ١.
قالَ جارُ اللهِ: "وكذلك: أنَا عبدُ اللهِ آكلًا كما يأكلُ العَبِيدُ فيه تَقريرٌ للعُبودِيَّةِ وتَأكيدٌ لها.
قال المشرّحُ: عبدُ اللهِ ها هنا ٢ إمَّا أن تكونَ جِنسًا -وهو الظّاهِرُ- ونحوه قولك: هو اللِّصُّ خائنًا، وإمَّا أن تكونَ عَلمًا كما لو قلتَ: أَنا عَمرُو بن معدي كَرب بَطَلًا شُجاعًا وحاتِمُ الطَّائِيّ كَرِيمًا جوادًا، لكن هذا إنما يجوزُ إذا كانَ عبدُ الله معروفًا بأكله أكلَ العبيدِ. عن عبدِ اللهِ بن عمرَ رضي الله ٣ عنهما قال ٤: "أُتي نَبِيُّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بطعامٍ فقالت عائشةُ رضيَ الله (١) عنها لو
١ في (أ).
٢ شرح الأندلسي: ١/ ٢٦٠.
٣ في (ب).
٤ لم أجد هذا الحديث عن ابن عمر. أخرج ابن سعد في طبقاته: ١/ ٣٨١ عن عائشة بلفظ: يا عائشة: لو شئت لسارت معي جبال الذهب، أتاني ملك وإن حجزته لتساوى الكعبة فقال: إنّ ربك يقرئ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت نبيًا ملكًا، وإن شئت نبيًا عبدًا فأشار إلى جبريل صنع نفسك؟ فقلت: نبيًا عبدًا. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك لا يأكل متكئًا، ويقول: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد.