483 · ص495
وأمَّا ما لا يُمكِنُ فيه إرادةُ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بذلك الحُكْمِ المُقتَرنِ بخطابِه، بل يَكُونُ الخطابُ له والمرادُ به الأُمَّةُ، فليسَ ذلك مِن مَحَلِّ النِّزاع أيضًا، وذلك مِثْلُ قولِه تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} ١، فخطابُه بذلك مِن مجازِ التَّركيبِ: وهو ما أُسْنِدَ فيه الحُكْمُ لغيرِ مَن هو له، نحوُ: أنبتَ الرَّبيعُ البقلَ، وإن وُجِدَتْ قرينةٌ تَدُلُّ على إرادةِ الأُمَّةِ مَعَه دَخَلوا بلا خلافٍ، وذلك مِثْلُ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} ٢ الآيةَ، فإنَّ ضميرَ الجمعِ في {طَلَّقْتُمُ}، و {طَلَّقْتُمُوهُنَّ} ٣ قرينةٌ لفظيَّةٌ تَدُلُّ على أنَّ الأُمَّةَ مقصودةٌ معَه بالحُكمِ وأنَّ تخصيصَه بالنِّداءِ تشريفًا له -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنَّه إمامُهم وقدوتُهم وسيِّدُهم الَّذِي يَصْدُرُ فِعلُهم عن رأيِه وإرشادِه، فتَلَخَّصَ أنَّ خطابَه ثلاثةُ أنواعٍ:
أحدُها: يَكُونُ مُختصًّا به بلا نزاعٍ.
والثَّاني: دخولُ أُمَّتِه معَه بلا نزاعٍ.
والثَّالثُ: مَحَلُّ الخلافِ.
(٢) (أَوْ) أي: والخطابُ الخاصُّ (بِالأُمَّةِ) كخطابِه تعالى للصَّحابةِ: (لَا يَخْتَصُّ بِالمُخَاطَبِ) وهو الصَّحابةُ (إِلَّا بِدَلِيلٍ) يَخُصُّهم، فيَعُمَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- على الصَّحيحِ؛ لأنَّه مُخبِرٌ بأمرِ اللهِ تعالى، وتَبِعَ في «شرحِ الأصلِ» ٤ القاضيَ عبدَ الوَهَّابِ المالكيَّ والهنديَّ ٥ في نحوِ: «يَا أيُّها الأُمَّةُ» أنَّه لا يَدخُلُ قطعًا.
١ الزُّمر: ٦٥.
٢ الطَّلاق: ١.
٣ البقرة: ٢٢٧.
٤ «التحبير شرح التحرير» (٥/ ٢٤٦٥).
٥ «نهاية الوصول في دراية الأصول» (٤/ ١٣٨١).