993 · ص340 · ج2
على مواضع الحاجة إلا بعد طوْل وتعب.
ثم انظر كيف مد منه الفخذين والساقين وبسط القدمين ليتمكن بذلك من السعي، وزين القدمين بالأصابع، وجعلها زينة وقوة على السعي، وزين الأصابع أيضًا بالأظفار وقواها بها.
ثم انظر كيف خلق هذا كله من نطفة مهينة، ثم خلق منها عظام جسده فجعلها أجسامًا قوية صلبة لتكون قوامًا للبدن وعمادًا له، وقدرها تبارك وتعالى بمقادير مختلفة وأشكال متناسبة، فمنها صغير، وطويل، ومستدير، ومجوف ومصمت، وعريض ودقيق.
ثم أودع في أنابيب هذه العظام المخ الرقيق مصانًا لمصلحتها وتقويتها ولما كان الإنسان محتاجًا إلى جملة جسمه، وبعض أعضائها لتردده في حاجاته لم يجعل الله سبحانه عظامه عظامًا واحدًا، بل عظامًا كثيرة، وبينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة فقدر شكل كل واحد منها على قدر وفق الحركة المطلوبة بها، ثم وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتاد أثبتها بأحد طرفي العظم وألصق الطرف الآخر كالرباط.
ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منها، ومن الآخر نقرًا غائصه فيها توافق لأشكال الزوائد لتدخل فيها وتنطبق، فصار الإنسان إذا أراد أن يحرك شيئًا من جسده دون غيره لم يمتنع عليه، فلولا حكمة خلق المفاصل لتعذر عليه ذلك.
ثم انظر كيف جعل الرأس مركبًا من خمسة وخمسين عظمًا مختلفة الأشكال والصور، وألف بعضها إلى بعض بحيث استوت كرة الرأس كما ترى، فمنها ستة تختص بالقحف، وأربعة وعشرون للحي العلى، وأثنان للحي
994 · ص341 · ج1
ولله نعم أخرى لا تعد، ولا تحصى، كما قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: ٣٤] . إذا يجب علينا شكره تعالى على نعمه، وهو الغني الحميد، غني عن العالمين، والخلق هم الفقراء إليه، كما قال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: ١٥] ، وليس لله في شكرنا منفعة تعود إليه، وليس في كفر نعمه ضرر عليه، إنما تعود منفعة الشكر إلى الشاكر كما قال تعالى: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: ٤٠] .
إنما الذي ينتظر الشكر مخلوق مثلنا وأنت إذا شكرت الله إنما تبرهن على فهمك لنعمة الله، وتقديرك له إن شكرت فقد وجهت النعمة وجهة الخير، والنفع، واستعملتها فيما يسعدك في الدنيا والآخرة، وإن كفرت فقد برهنت على سوء فهمك، وعدم تقديرك لربك، وعلى تعمقك في اللؤم والرداءة.
وإذا تأملت الكثير من الناس وجدته مهملاً للشرك الذي هو صرف النعم فيما خلقت له، واستعمالها فيما شرعت لأجله، لتظهر فائدتها وتتم حكمتها، ويجني العباد منافعها، فالشاكر بلسانه وقلبه، وعمله من الفائزين، ولكنه قيل، كما قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: ١٣] . الأكثر كما تقدم صرفوها فيما يعود عليهم، وعلى أولادهم، وأهلهم، وأمتهم بالضرر.
أنعم عليهم بالمال فقسم خزنوه ومنعوا حقوقه فلم يخرجوا زكاته، ولم يساهموا في مشاريع دينية، كبناء مساجد، وقضاء دين عن مدين ومساعدة