516 · ص128 · ج3
وأُذِّنَ فيهم بالرَّحيلِ وأعلِمُوا
ورَاحُوا إلى رَميِّ الجَمارِ عَشِيَّةً … شِعارُهُم التَّكبيرُ واللهُ معهُمُ
فَلَو أَبْصَرَتْ عيناكَ موقِفَهُم بها … وقد بَسطُوا تلكَ الأكفَّ لِيُرحَمُوا
يُنَادُونَهُ: يا ربُّ، يا رَبُّ، إِنَّنَا … عبيدُكَ لا نَدعُو سواكَ وتَعلَمُ
وهَا نحن نرجُو منكَ ما أنت أَهْلُهُ … فأنتَ الذِي تُعطِي الجَزيلَ وتُنعِمُ
ولما تَقضَّوا من مِنَى كلَّ حاجةٍ … وَسَالتْ بهم تلكَ البِطاحُ تقدمُوا
إلى الكَعبَةِ البيتَ الحرامِ عَشيَّةً … وَطافُوا بها سَبعًا، وصلُّوا وسلَّمُوا
ولما دَنَا التَّوديعُ منهم وأيقنُوا … بأنَّ التَّدانِي حَبلُهُ مُتصرِّمُ
ولم يَبقَ إلاَّ وقْفَةٌ لِمودِّعٍ … فلله أَجْفَانٌ هناكَ تَسْجُمُ
ولله أكبادٌ هنالك أُوْدِعَ الـ … غَرامُ بها فالنَّارُ فيها تَضرَّمُ
ولله أنفاسٌ يكادُ بِحرِّهَا … يَذُوبُ المُحِبُّ المُسْتَهَامُ المُتَيَّمُ
فَلَمْ تَرَ إلاَّ بَاهِتًا مُتحيِّرًا … وآخرَ يُبدِي شَجوَهُ يَترنَّمُ
رَحلتُ، وأَشْواقِي إليكُم مُقِيمَةٌ … ونارُ الأَسَى مِنِّي تُشَبُّ وتُضرمُ
أودِّعكُم والشَّوقُ يَثْنِي أَعِنَّتِي … وَقَلْبِي أَمْسَى في حِمَاكَمْ مُخَيِّمُ
هُنالِكَ لا تَثْرِيْبَ يَومًا علَى امْرئ … إذا مَا بدَا منه الذي كان يَكْتُمُ
فَيَا سائقينَ العِيسَ، بالله رَبِّكُم … قِفُوا لي عَلَى تِلْكَ الرُّبُوعِ وسَلِّمُوا
قُولُوا مُحِبٌّ قادَهُ الشَّوقُ نحوكُم … قَضَى نحبهُ فيكم تَعيشُوا وتَسلَمُوا
قَضَى الله رَبُّ العَرشِ فيمَا قَضَى بِه … بأنَّ الهَوَى يُعمِي القُلوبَ ويُبْكِمُ
وحُبُّكُم أَصلُ الهُدى، ومَدارُهُ … عليه وفوزٌ للمحبِّ ومَغنَمُ
وَتَفْنَى عِظَامُ الصَّبِّ بَعدَ مَمَاتِهِ … وَأَشوَاقُهُ وقفٌ عليه مُحرَّمُ
فَيَا أَيُّهَا القَلْبُ الذِي ملكَ الهَوَى …