510 · ص126 · ج3
وَفِي قَلْبِهِ نَارُ الأَسَى تَتَضَرَّمُ
أَمَا والذِي حَجَّ المُحِبُّونَ بَيْتَهُ … وَلَبُّوا لَهُ عندَ المَهَلِّ، وَأَحْرَمُوا
وَقَدْ كَشَفُوا تِلكَ الرُؤوسِ تَواضُعًا … لِعِزَّةِ من تَعْنُو الوُجوهُ وَتُسلِمُ
يُهلُّونَ بالبَيْدَاءِ: لَبَّيكَ رَبَّنَا … لك المُلْكُ والحَمْدُ الذِي أَنْتَ تَعلَمُ
دَعَاهُم فَلَبَّوهُ رِضىً وَمَحبَّةً … فلما دَعَوْهُ كانَ أَقْرَبَ مِنْهُمُ
تَراهُم على الإِنْضَاءِ شعثًا رُءوسُهُم … وغبرًا وهم فيها أَسَرُّ وأَنْعَمُ
وَقَدْ فَارَقُوا الأَوْطَانَ والأَهْلَ رَغْبَةٌ … ولم يَثْنِهِم لِذَاتُهُم والتَّنعُّمُ
يَسِيرُونَ من أَقْطَارِهَا وَفِجَاجِهَا … رِجالاً وَرُكبانًا، ولله أَسْلَمُوا
ولما رَأَتْ أَبصَارُهُم بَيْتَهُ الذِي … قُلُوبُ الوَرَى شَوقًا إليه تَضَرَّمُ
كأنَّهُم لم يَنْصِبُوا قطُّ قَبْلَهُ … لأن شَقاهُم قد تَرحَّلَ عنهُمُ
فللهِ كمْ من عِبرةٍ مُهَرَاقَةٍ … وأخرَى على آثَارِهَا تَتقدَّمُ
وَقَدْ شَرِقَتْ عَينُ المُحِبِّ بِدَمْعِهَا … فينظرُ من بَيْنِ الدُّمُوعِ، وَيُسْجِمُ
إذا عَايَنَتْهُ العَينُ زَالَ ظَلامُهَا … وَزَالَ عن القَلبِ الكَئِيْبِ التَّألُمُ
ولا يَعرِفُ الطَّرفُ المُعاينُ حُسنَهُ … إلى أن يَعُودَ الطَّرفُ والشَّوقُ أعظَمُ
ولا عَجبٌ من ذَا فَحِيْنَ أَضَافَةُ … إلى نفسهِ الرَّحمنُ، فهو المُعظَّمُ
كَساهُ من الإِجلالِ أعظمَ حُلَّةٍ … عليها طِرازٌ بالمَلاحَةِ مُعلَمُ
فَمِنْ أَجْلِ ذَا كلُّ القُلُوبِ تُحِبُّهُ … وَتَخْضَعْ إِجْلالاً له وَتُعَظِّمُ
رَاحُوا إلى التَّعريفِ يَرجُونَ رَحْمَةً … وَمَغفرةً ممنْ يَجُودُ ويُكْرِمُ
فَللهِ ذاكَ المَوقفُ الأعظمُ الذِي … كَموقِفِ يومَ العَرضِ بَلْ ذَاكَ أَعْظَمُ
وَيَدنُو بِهِ الجَبَّارُ جلَّ جَلالُهُ … يُباهِي بهم أَمْلاكَهُ فهو أَكْرَمُ
يقولُ: عِبادِي قد أَتَونِي مَحَبَّةً …