255 · ص267
قُلْنا: والأصلُ عدمُ الاشتِراكِ، ثمَّ قد تَعارَضَ المجازُ والاشتِراكُ المُجَرَّدُ، والمجازُ أَوْلَى، ثمَّ إنَّ لفظَ الكلامِ أكثرُ ما اسْتُعمِلَ في العباراتِ، وكثرةُ مواردِ الاستعمالِ تَدُلُّ على الحقيقةِ، فأمَّا قولُه تَعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} ١ فمجازٌ؛ لأنَّه إِنَّمَا دَلَّ على المعنى النَّفسيِّ بالقَرينةِ، وهي قولُه: {فِي أَنْفُسِهِمْ} ٢ ولو أُطلِقَ لَمَا فُهِمَ إلَّا العبارةُ، وكذلك كلُّ ما جاءَ مِن هذا البابِ إِنَّمَا يُفيدُ مع القَرينةِ، ومنه قولُ عمرَ -رضي الله عنه-: «زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي كلامًا» إِنَّمَا أفادَ ذلك بقَرينةِ قولِه: «فِي نَفْسِي»، وأمَّا قولُه تَعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} ٣ فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ الإسرارَ نَقيضُ الجهرِ، وكلاهما عبارةٌ إحداهما أرفعُ صوتًا من الأُخرى.
وأمَّا الشِّعرُ يَعني قَولَ الشَّاعرِ ٤:
إِنَّ الكَلَامَ لَفِي الفُؤَادِ وَإِنَّمَا
جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الفُؤَادِ دَلِيلَا
فهو للأخطلِ، ويُقالُ: إنَّ المشهورَ فيه: «إِنَّ البَيَانَ لَفِي الفُؤَادِ»، وبتقديرِ أنْ يَكُونَ كما ذَكَرْتُم فهو مجازٌ عن مادَّةِ الكلامِ، وهو التَّصوُّراتُ المُصَحِّحَةُ له؛ إذ مَن لا يَتَصَوَّرُ مَعنى ما يَقولُ لا يُوجدُ منه ٥ كلامٌ، ثمَّ هو مبالغةٌ مِن هذا الشَّاعرِ في ترجيحِ الفُؤادِ على اللِّسانِ ٦. انتهى.
١ المجادلة: ٨.
٢ المجادلة: ٨.
٣ الملك: ١٣.
٤ من الكاملِ، ويُنسَبُ للأخطلِ، ولا يَثبُتُ له في ديوانِه. انظرِ التَّذييلَ والتَّكميلَ لأبي حيَّانَ الأندلسيِّ (١/ ٢٣) دار القلمِ.
٥ في (د)، (ع): فيه. والمثبت من «شرح مُختَصَرِ الرَّوضةِ»: منه.
٦ في (د)، (ع): اللِّسانِ على الفؤادِ. والمثبت من «شرح مُختَصَرِ الرَّوضةِ».